فمن ذلك المذاهب الأربعة، قالوا إنها لم تكن في زمن النبي - ﷺ -.
والجواب عنه من وجوه:
[ ٣٠٢ ]
الأول أن الرافضة أيضا لم تكن في زمن النبي - ﷺ - ولا في زمن أصحابه ولا في زمن بني أمية ولا في ثلاثمائة سنة من خلافة بني العباس. فهم ومذهبهم أحق بالرد والحدوث والابتداع.
الثاني أن الرافضة أنقص الناس عقلا، كيف يعيبون ما هو فيهم بل أعظم عيبا، لأن أهل السنة إن كانوا أربع فرق، فهم إحدى وثلاثون فرقة. وإن كان بين المذاهب الأربعة قولان أو ثلاثة، فأي مذهب قبضت من مذاهبهم وحده وجدت فيه أكثر من ذلك.
الثالث أن الأنبياء والصحابة أعظم من العلماء، وقد وقع الخلاف بينهم بالاجتهاد. أما الأنبياء فداود وسليمان صلوات الله علهيما في الحرث الذي رعته الغنم ليلا، حكم داود بأن يُعطى الغنم بالحرث، وحكم سليمان أن يسلم الزرع إلى صاحب الغنم يتعهده من سقي ونحوه ويسلم الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بصوفها ولبنها حتى يقوم الزرع كما كان ويترادان. فأصاب سليمان كما قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾
[ ٣٠٣ ]
ولم يعتب على داود، بل مدح كليهما بقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾
وأما الصحابة فاختلافهم في صلاة العصر اجتهادا حين قال - ﷺ -: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» فأدركهم قرب فوات العصر قبل وصولهم، فقال قوم النبي - ﷺ - حسب أنا نصل بني قريظة قبل الفوات ولم يرد منا فوات العصر وصلى في الطريق، وقال قوم النبي - ﷺ - أمرنا أن لا نصلي إلا في بني قريظة ففوت. فلما علم بحالهم لم يعتب على هؤلاء ولا على هؤلاء. وكذلك خلافهم في أشجار بني النضير حين حصارهم: قطع بعض الصحابة وترك بعضهم، ولم يعتب الله ﷾ ولا الرسول على هؤلاء ولا على هؤلاء. بل قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وإذا جاز مثل ذلك للأنبياء والصحابة فلا لوم على العلماء.
ومنها إعابتهم على أئمة المذاهب بقول شاعرهم:
إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا وتعلم أن الناس في نقل أخبار
فدع عنك قول الشافعي ومالك وأحمد والمروي عن كعب الأحبار
[ ٣٠٤ ]
ووال أناسا قولهم وحديثهم روى جدنا عن جبرئيل عن الباري
ورد من وجوه:
الأول: أنه لا يشترط في قبول النقل أن يكون مرويا من فروع الأصل المروي عنه اتفاقا. وكثير من نقل الرافضة مروي من غير الذرية. وكذلك لا يشترط كون الإمام المتبع بعد الأصل أن يكون من ذريته بالاتفاق أيضا، كما قال النبي - ﷺ - عن مجموع الصحابة الأقارب والأباعد: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديم اهتديتم".
الثاني: أن الرافضة يدعون أنهم أتباع علي ﵁ وأنهم يتولونه دون كل أحد، وليس النبي - ﷺ - جده. فانتقض قولهم.
الثالث: أنه لم يكن حياةَ النبي - ﷺ - من ذريته من يروي عنه غير الحسن والحسين ﵄، ومات - ﷺ - وهما صبيان لا رواية لهما. فمن أين جاءهم النقل عن جدهم إلا من غير الذرية ضرورة.
[ ٣٠٥ ]
الرابع إذا كان الرافضة لا تقبل النقل إلا من ذرية النبي - ﷺ - أو من علي وحده ومن ذريته قل نقلهم وكان أكثر مذهبهم غير مقبول. أما الذرية فقد تبين لك أن حال حياة النبي - ﷺ - لم يكن من الذرية من ينقل عنه. وأما علي ﵁ فهو واحد، ولم يكن مع النبي - ﷺ - في أوقاته، فقل نقله بالضرورة. وأما أهل السنة فهم ينقلون من مجموع الصحابة وزوجاته، لا يخلو مجالس النبي - ﷺ - من أحدهم على أنه لو غاب واحد حضر غيره. فظهر أن جميع مذاهبهم صادر نقلها عن النبي - ﷺ -، ومذهب الرافضة القليل منهم صادر وهو قسط الواحد، والكثير منه مردود على حسب تقريرهم.
الخامس: أن كثيرا من ذرية النبي - ﷺ - كالزيدية والحسنية وغيرهما يسعهم أن يقولوا أيضا: روى جدنا عن جبرئيل عن الباري، وهم يخطئون هؤلاء الإمامية ويكفرونهم ويفسدون نقلهم. لم تكن الإمامية بأصح نقلا منهم بل هم أقرب إلى الصحة، إذ ليس في نقلهم من الأباطيل والضحكات ما في نقل هؤلاء على ما يأتي في بابه.
السادس: أن عليا والحسن والحسين والعباس وابن العباس ﵃ بل سائر الناس كانوا يتولون ويتبعون أبا بكر وصاحبيه ﵃ أيام خلافتهم وهم ليسوا من ذرية النبي - ﷺ -. فانتقض تقرير الرافضة.
[ ٣٠٦ ]
السابع: أن ذرية النبي - ﷺ - أهل الفضل والعلم، لكن لم يكن لأحد منهم مذهب أو حزب انفرد به. أما الحسن والحسين ﵄ فظاهر. وأما هذا الذي يدعونه مهديا فأبين وأظهر. وباقيهم إما مفترى أو مختف. ولم يكن لأحد منهم ظهور إلا علي بن موسى الذي زوجه المأمون ابنته وكان يركب بحاشية وغاشيهة وعقد له الخلافة بعده فحميت بنو العباس وقالوا يريد المأمون يسوق الخلافة عنا إن دام على هذا خلعناه من الخلافة، فخشي عليه منهم فنفذه إلى خراسان ومات فيها.
الثامن: أن الاتباع بحسب زيادة العلم وقوة الإمام فيه، ولم يكن أحد من الذرية أو من الآل أعلم من الأئمة الأربعة في زمنهم وكانوا أحق بالاتباع.
أما الشافعي ﵁ قرشي مطلبي صاحب اليد الطولى في العلم منقولا ومعقولا، وقد نقل عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا
[ ٣٠٧ ]
تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما" ولا وجد لقريش من انتشر علمه في أقطار الأرض غير الشافعي، وغدا إذا عرضت الأحكام في صحائف الأعمال تجد أكثرها على مذهبه ومن علمه وتقريره. وقد صنف العلماء في مناقبه كتبا لا يسع هذا البحث ذكرها.
وأما مالك بن أنس ﵁ فهو عالم المدينة، وقد شهد له إمام الحديث البخاري رحمه الله تعالى قال: "أصح الروايات رواية مالك عن نافع عن ابن عمر". ويكفيه فضلا ورجحانا أنه أستاذ الشافعي.
[ ٣٠٨ ]
وأما أبو حنيفة فهو الإمام الأعظم الأقدم، أول من دون الفقه وجعله أبوابا وفصولا وأرباعا بعد ما كان إذا وقع مسألة ذهب الناس إلى القرآن والحديث يلتمسونها منه ووضع كل بحث من الفروع، فلله دره. وكان معاصر جعفر بن محمد الصادق وأحدهما مزوج أم الآخر وأحدهما أخذ العلم من الآخر، لكن لم أعلم حينئذ عين الزوج والمأخوذ منه. فعلى كل حال يكفي ذلك أبا حنيفة فضلا إن كان آخذا أو مأخوذا.
وأما أحمد بن حنبل فهو من أعظم أئمة الحديث وأطولها باعا. ويكفيه فضلا صحة مذهبه أن أستاذه الشافعي أخذ العلم عنه. وكان من حلمه وفضله وتواضعه وإنصافه أنه يمشي في ركاب الشافعي فإذا عابه تلاميذه على ذلك يقول: من أراد العلم فليقبض ذنب هذه البغلة.
فتبين لك فساد قول شاعر الرافضة: فدع عنك قول الشافعي إلى آخره بما عرضنا عليك من فضل هؤلاء الأئمة الأربعة.
[ ٣٠٩ ]
وما للرافضي من النقل الصادق شيء إلا أنهم يزخرفون أقوالا وأشعارا غرورا لعوامهم، كما قال الله تعالى عن إخوان الشياطين: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.