منها النوم في الفراش حين همّ قريش به.
قلنا: مقابل بقصة الغار لأبي بكر، بل الغار أرجح من النوم من وجوه:
أحدها: أن قصة النوم مظنونة المتن لأنها جاءت مجيء السير والتواريخ، لو جحدها أحد لم يكفر، والغار مقطوع المتن لأنه نزل به القرآن، ولو جحده أحد كفر.
ثانيا: أن نفس علي في نومه في فراش النبي - ﷺ - كانت كالفادية، ونفس أبي بكر في الغار كانت كالمساوية لنفس النبي - ﷺ -. ولا شك أن المساوي أعظم من الفادي.
[ ٢٠٩ ]
ثالثها: أن الله تعالى عتب في قصة الغار والخروج معه - ﷺ - على كل الأمة إلا على أبي بكر بقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ولم يقل: إذ نام أحد مكانه.
رابعها: أن الله تعالى لم يصرح بذكر أحد من الآل والصحب بالمدح والصحبة في القرآن إلا بذكر أبي بكر ﵁ بقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾
قالوا: قصة الغار تتضمن منقصة لأبي بكر حيث قال له: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾
قلنا: هذا تأويل من أعمى الله قلبه وأضله عن الهدى واتبع هواه. فإن النبي - ﷺ - لم يقل: "لا تخف" بل قال: ﴿لا تحزن﴾. فالخوف على النفس، والحزن على الغير. وإذا تقرر ذلك فالحزن هاهنا من أكبر المدح لأبي بكر ﵁ إذ لم يخف على نفسه، بل كان حزنه على النبي - ﷺ -. ولو قال له أيضا "لا تخف" لم يكن على أبي بكر ﵁ منقصة بذلك.
[ ٢١٠ ]
إذ قال الله تعالى مثل ذلك لمن هو خير من أبي بكر وخير من علي ﵄ موسى وهارون ﵉: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وقال للوط ﵇: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ وقال لأم موسى: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وقال للنبي - ﷺ -: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ وأمثال ذلك للأنبياء كثير في القرآن. ولم يكن في ذلك عيب عليهم. فأي مصيبة أصابت الرافضة حتى يعكسوا مفهومات القرآن ويتبعوا أهواءهم بغير علم. ألم تر أنهم لا يقوم لهم قائم إلى يوم القيامة. ولولا أن الله تعالى أعمى قلوب الرافضة ما فهموا مثل هذا الباطل من الآية وعمُوا عن قول النبي - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أي معي ومعك.
[ ٢١١ ]
ولم يفرقوا بين هذا القول وقول موسى ﵇ لأصحابه إذ قالوا له: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أتى بالمعية والهداية له وحده دونهم.