وأما الثاني، وهو ما ذكره الرافضة من النص على علي في غدير خم.
[ ١٥٨ ]
فالجواب أيضا من وجوه. وكل منها يصلح أن يكون جوابا عن المتقدم.
الأول: أنه ثبت أن العباس قال لعلي: مدّ يدك لأبايعك حتى يقول الناس بايع ابن عم النبي عمه، فلا يختلف عليك اثنان. فقال علي ﵁: ليس ذلك إلا لأهل بدر. وطلب البيعة لعلي ممن يُدعى له أنه نص النبي فيه يدل على عدم النص وكذب الدعوى.
الثاني: أن عليا ﵁ لم يحكم إلا بالمبايعة من باقي الصحابة. وطلب البيعة من علي ومد يده لها اعتراف وإقرار منه ودليل ظاهر على عدم النص فيه وعدم استحقاقه لها بغير الإجماع والمبايعة.
الثالث أن أبا بكر ﵁ بويع، ولم يدّع أحد لعلي ﵁ نصا ولا هو لنفسه. فدل على عدم النص فيه.
الرابع أن الأنصار طلبوا الحكم لسيدهم سعد بن عبادة وقالوا لقريش: "منا أمير ومنكم أمير". وهذا يدل على عدم النص فيه ﵁ أو غيره. وإلا ادعاه المنصوص به عليه واحتج به. ولم يقع شيء من ذلك. فامتنع.
الخامس أن أبا بكر ﵁ احتج على الأنصار حين قالوا: "منا أمير ومنكم أمير" بحجة عامة، وانقطعوا بها وسلموا وبايعوا أبا بكر ﵁. وهو قوله: إن النبي - ﷺ - قال: «الأئمة من قريش». ولو كان
[ ١٥٩ ]
نص خاص في علي أو غيره لاحتج به عليهم، وكان أولى من العام وأقوى في الاحتجاج. وإذ لم يحتج به يثبت عدمه.
السادس أن أبا بكر ﵁ نص على عمر ﵁، وانقاد الآل والصحب له، ولم يعارض أحد في ذلك. ولا ادعى علي أيضا نصا لنفسه. فثبت عدم النص به.
السابع أن عمر ﵁ جعل الأمر شورى في ستة. وعلي منهم. ودخل في الشورى معهم من غير دعوى النص به منه أو من غيره. فدل على عدمه فيه.
الثامن أن عليا حكم الحكمين بينه وبين معاوية. واتفق على ذلك مجموع العسكرين. ولا دليل أقوى من ذلك على عدم النص به.
التاسع أن الحسن ﵁ بايع معاوية وسلم الأمر إليه.
[ ١٦٠ ]
والرافضة يدعون أنه منصوص [أبيه] المنصوص له. وهذا مما يدل على عدم النص بهما. وإلا توجه الخطأ بزعم من يدعي له النص فضلا عن العصمة.
العاشر أن الرافضة يدعون أن الخلافة لعلي ﵁ واجبة لأنه موصى له بها، ويدعون أنه لا يخل بواجب، لأنه معصوم. ولا خلاف أنه تركها على الخلفاء قبله وترك نزاعهم عليها. وهذا يدل على أحد شيئين: إما إخلاله بالواجب أو عدم الوصية. والأول باطل اتفاقا، فتعين الثاني.
الحادي عشر أن ترك الخلافة من علي ﵁ إما تقية مع وجود الوصية له أو بقوة لعدم الوصية. والأول باطل لأن التقية إنما
[ ١٦١ ]
تكون من الكفار لخوفهم على النفس عند العجز، وهؤلاء صدور الأمة وخيارها، ولا يخاف على نفس علي منهم. ولا يجوز لعلي التقية من مسلم يرتكب باطلا، بالخصوص مثل مسألة الإمامة التي هي أصل كبير في الدين. فتعين الثاني أي عدم الوصية به.
الثاني عشر: نسلم جواز التقية من المسلمين عند خلافة الخلفاء ﵃ جدلا. فهلا اتقى من معاوية لخوف وقوع الفساد في الدين جدلا، ثم نقول: فهلا اتقى علي ﵁ من حرب عائشة يوم الجمل وعقر
[ ١٦٢ ]
جملها ووقوعها بين أعدائها يطوفون بها كالمسبية، وهي زوجة رسول الله - ﷺ - ومحبوبته وابنة صديقه والمأمور بحرمتها بضرب الحجاب عليها والمبرأة بالقرآن والمحرم نكاحها على الأمة، وقتل خيار الصحابة مثل طلحة والزبير، وتطاير أيدي كثير من المسلمين عند بروك جملها. وهلا اتقى من حرب يوم النهرون، وقد قتل خلق كثير من القراء والمسلمين وغيرهم في حرب الخوارج، وهلا اتقى حرب معاوية، ولا فساد أكثر مما وقع في نزاعهما حتى قتل بينهما في صفين سبعون ألفا من المسلمين فيهم من خيار الصحابة وكان ذلك طاعون الدين. وذلك مما يوجب أحد شيئين: إما خطأ الإمام علي على تقدير الوصية لتناقض فعله، أو صوابه على تقدير عدمها لثبوت حق المتروك نزاعهم (وهم الخلفاء الثلاثة) عليه وثبوت حقه على المتنازع.
[ ١٦٣ ]
والأول باطل. فتعين حقية الثاني.
الثالث عشر: أن الله تعالى عدّل هذه الأمة وزكاها بقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وقد شهدوا لأبي بكر ﵁. فدل على عدم النص في غيره.
الرابع عشر: أن النبي - ﷺ - قال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وقد اجتمعت على أبي بكر ﵁. فلا وصية لغيره.
الخامس عشر: ثبت أن عليا ﵁ بايع أبا بكر ﵁، إما مع إجماع الأمة وإما بعده بستة أشهر كما نقل. وذلك دليل عدم الوصية.
السادس عشر: أن تأخير البيعة من علي ﵁ ووقوعها بعد ستة أشهر يدل على اجتهاد منه في هذه المسألة. والاجتهاد منه ينافي النص فيه.
السابع عشر: أن الله تعالى وعد مخالفة الإجماع بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ الآية. والرافضة
[ ١٦٤ ]
يدعون أن عليا ﵁ لم يبايع أبا بكر أصلا وخالف إجماع الأمة فيه. هذا مما يدل إيقاع الوعيد عليه أو كذب الرافضة. وأي الآيتين ثبت له دل على عدم النص فيه. وحاشاه من إيقاع الوعيد عليه ومخالفته سبيل المؤمنين، إذ مثل ذلك يرفع الأمانة والتقوى، فضلا عن استحقاق الخلافة. فتعين كذب الرافضة.
الثامن عشر: ادعت الرافضة أن النبي - ﷺ - وصى عليا أن لا يوقع بعده فتنة ولا يجذب بعده سيفا. ولا دليل أكبر من ذلك على عدم الوصية وعلى استحقاق أصحابه المتقدمين عليه الخلافة دونه، إذ نهي عن نزاعهم.
التاسع عشر: أن عليا ﵁ نكح في أيام إمامة المتقدمين عليه بالخلافة وتسرّى من سبيهم. والحسين ﵁ تسرى بنت كسرى من سبي عمر ﵁. وهذا دليل منهما يشعر باستحقاق من تقدمهما الإمامة وبأن لا نص [لغيرهم].
العشرون: أن عليا ﵁ كان مباشرا أشوار الخلفاء قبله في
[ ١٦٥ ]
إنفاذ العساكر ومنعها وفيما يهم من أمر الأعداء. والحسن والحسين رضي الله
[ ١٦٦ ]
عنهما كانا ملازمين مجلس عثمان ﵁الذي هو مختار الشورى من وصية عمر الذي هو منصوص أبي بكر ﵁- ومباشرين ما يأمر به من إقامة الحدود وغيرها. وفي هذا دليل على حقية الخلفاء المذكورين وأن لا نص لغيرهم.
الحادي والعشرون: أن عليا ﵁ أنكح عمر ابنته أم كلثوم من
[ ١٦٧ ]
فاطمة ﵁ في إمامته وأولدها زيد بن عمر. وهذا مما يدل على الوداد بين علي وعمر ﵄ وصحة إمامة عمر ﵁ الذي هو منصوص أبي بكر ﵁، وأنهما لم يكونا على باطل. وإذ ثبت ذلك فلا وصية لغيرهما.
الثاني والعشرون: أن غدير خم والنص الذي ادعته الرافضة لعلي فيه زور لا يعرفهما أحد من المسلمين، غير الرافضة الذين يدعونه. وحينئذ فدعواعم كالعدم إذ لا مستند لهم من غيرهم.
الثالث والعشرون: أن الوصية لعلي ﵁ جهلها الآل والصحب
[ ١٦٨ ]
وبايعوا أبا بكر ﵁ وانقادوا له ولمنصوصه ولمنصوص منصوصه بالشورى. وما جهله من هو مصاحب النبي - ﷺ - حضرا وسفرا ومشاهد للوحي ونزول جبريل ﵇ كيف عرفها الرافضة الذين جاءوا وحدثوا بعد ذلك بمئات سنين؟ وأيهما أعرف الحاضر أو الغائب أو الموجود أو المعدوم؟
الرابع والعشرون: لم لم تدّع فاطمة رضي الله تعالى عنها الوصية؟ وأي تقية يحتمل في حقها؟ وهل كان أحد يقدر على مخالفتها، خصوصا بعد علمها بقرب موتها حيث أخبرها والدها الصادق المصدوق ﷺ ورضي عنها. وهل كانت تخون والدها - ﷺ - بكتمان وصيته ونصه؟ وهل
[ ١٦٩ ]
يحتمل عليها وعلى عم النبي - ﷺ - وأزواجه الطاهرات وأصحابه الكرام من المهاجرين والأنصار وأهل الصفة وغيرهم أن يخونوا نبينا عند موته ويصروا على خيانتهم إلى موت عثمان ﵁ - وهم الذين بذلوا في محبته ونصرة دينه أموالهم وأرواحهم وهجروا أوطانهم وأهلهم وتركوا راحتهم ورياستهم. وهل اعتقاد ذلك في حقهم إلا كفر وضلال.