ومنها رده دعوى فاطمة ﵁ من فدك والعوالي قريتين من قرى خيبر.
[ ٢٨١ ]
والجواب عن ذلك أنها أولا ادعت الإرث فيهما، قال لها الصديق ﵁: الأنبياء لا تورث، وقد قال أبوك - ﷺ -: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة»
قالوا: احتجت عليه بقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ وقوله تعالى عن زكريا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ﴾
[ ٢٨٢ ]
قلنا: نقل الاحتجاج عنها بهاتين الآيتين كذب لأن الإرث المذكور فيها هو إرث العلم والنبوة، لا إرث المال؛ إذ لا يخص سليمان بميراث أبيه دون باقي أولاده ودون زوجاته، ويرث مال آل يعقوب أولادهم وورثتهم لا ابن زكريا. فقد تبين لك بطلان ذلك الاحتجاج.
ثم إنها ﵁ ادعتها ثانيا بالهبة.
قالوا: الهبة تحتاج إلى القبض في التصرف بعد البينة.
قالوا: أتت بعلي وأم أيمن شهدا بها لها.
قلنا: فقد نقل أنه قال لها: إن كان أبوك لا يورث فخصمك في ذلك كل المسلمين، وإن كان أبوك يورث فخصمك فيه العباس وزوجاته.
وعلى كلا التقديرين لا تقبل في ذلك شهادة رجل وامرأة. وحقيقة هذا الرد ظاهرة من كتاب الله تعالى. وحينئذ فلوا قال أحد: فاطمة ابنة رسول الله - ﷺ -، أيجوز أن تطلب ما ليس لها بحق؟ كان قول القائل "إن أبا بكر ﵁ ما منع يهوديا ولا نصرانيا حقه، فكيف يمنع حق بنت رسول
[ ٢٨٣ ]
الله - ﷺ - " أولى وأرجح من ذلك القول. وقد ثبت أنها جاءت تطلب خادما من أبيها من سبي جاء له، فعلمها التسبيح عند دخول الفراش ولم يعطها بطلبها خادما. فكيف يعطيها أبو بكر ﵁ بمجرد طلبها.
قلنا: هذا تلبيس من الرافضة بين، فإنهم كانوا يقسمون له من الغنائم، حتى إنهم أعطوه قطعة من بساط كسرى باعها بعشرين ألفا، وكان في
[ ٢٨٤ ]
أيامهم ذا ثروة مما تغنمه عساكرهم في خلافته، وأيضا لو كان الأمر كما قالوا لغيّر علي فعل أبي بكر وأعطى الحسنين ما ادعته فاطمة ﵂، والحال أنه لم يغير ما فعله ولم يعطهما شيئا كما ثبت عنه بالتواتر.
قالوا: إنها غضبت ﵂ بعد ذلك على أبي بكر وعمر ﵄ إلى أن ماتت، ودفنها علي ﵁ ليلا حتى لا يصلوا عليها، لأن من صلى عليها غفر له.
قلنا: قبح الله الرافضة إذ ينسبون إلى علي ﵁ منع الخير إليها وإلى أصحابه. أما إليها فإن الصلاة خير على الميت من دعاء المصلي له. وأما إليهم فإنه بحسب ما نقلوه كان يغفر لهم. وحاشا أن يكون أمير المؤمنين ﵁ مناعا للخير. وأما دفنها ليلا: حتى لا يشرف على جنازتها أحد من الرجال احتراما لها كونها بنت رسول الله - ﷺ -، وهي ينادي لها في القيامة على أهل
[ ٢٨٥ ]
الموقف: "يا أهل الموقف غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد - ﷺ - " وهي التي ينادى وأولادها وبينها يوم القيامة بالنسبة إليها، وكل أناس من أهل الموقف بآبائهم إظهارا لشرف ولديها الحسن والحسين بإضافتهما إليها ﵂. نقله بعض المفسرين.
قالوا: آذوها، والنبي - ﷺ - يقول: "فاطمة بضعة مني يريبها ما رابني ويؤذيها ما آذاني"
[ ٢٨٦ ]
قلنا: ليس منعها بالحق أذى لها، وإن كان أذى كان ذلك حجة عليهم، لأن هذا الحديث ورد لعلي ﵁ حين خطب بنت أبي جهل بن هشام، فقام - ﷺ - خطيبا وقال: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب - ﵁، وقيل: ولم يسمه باسمه بل قال: ابن أبي طالب - وإني لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يطلق فاطمة، فإنها بضعة مني يريبها ما رابني ويؤذيها ما آذاني، وإني لست بالمحرم حلالا ولا بالمحلل حراما، ولكن لا تجتمع بنت رسول الله - ﷺ - وبنت عدو الله في بيت واحد". وسبب الشيء أولى به من ذم أو مدح. وأيضا إن ذلك آذاها وآذى أباها بالأصالة إذ هما حيان، وهذا هو ما عناه النبي - ﷺ -. فلو احتج أحد بمفهومه وأخرج ما فعله أبو بكر ﵁ لاحتمل ذلك. وأيضا بين الأذيتين، وقيل لدى الاثنين، فرق. إذ أذى علي بحق نفسها، وأذى أبي بكر لحقّ الغير، فلا لوم عليه به. وإذا وصل علمه إلى النبي - ﷺ - بعد موته لا يتأذى به إذا منعها على وجه مشروع. وخطبة علي وإن كانت مباحة لكنها أبانت غضب فاطمة ﵂ وغضب أبيها - ﷺ -، فيكون ذلك من خصائصه. فانظر ما يحتال به الرافضة ولا يعقلون خطأه وجريرته عليهم.
[ ٢٨٧ ]