ومنها إعابتهم دعوى أهل السنة بكفر أبي طالب. قالوا هو مسلم، محتجين بقوله حين خشي النبي - ﷺ - قريشا على نفسه وشكى إلى أبي طالب فقال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب رهينا
فاصدع بأمرك ليس عليك غضاضة وأبشر وقر بذاك منك عيونا
ودعوتني وعلمت أنك صادق ولقد صدقت وكنت قبل أمينا
وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا
والجواب من وجوه:
[ ٣١٥ ]
الأول أن البيت الأخير يدل على كفره صريحا، والبيوت المتقدمة تدل على أن وجه الكفر كان خيفة العار. ووجوه الكفر تأتي خوف العار كما عرفت من كفر أبي طالب، وتأتي جهالة كما كان كفر أبي سفيان وأمية بن خلف ونحوهما، وتأتي حسدا ككفر أبي جهل، فإنه قال له أحد قريش: ما تقول أبا الحكم في محمد، أتراه كاذبا؟ قال: والله ما كذب محمد قط ولكن كنا وبنو هاشم كفرسي رهان إن أطعموا أطعمنا وإن كسوا كسونا حتى قالوا الآن: منا نبي، متى ندرك فضل هذه، والله لا نؤمن به أبدا.
[ ٣١٦ ]
الثاني: نقل المفسرون أن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ في أبي طالب، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أبو طالب.
الثالث: نقل أهل الحديث والتواريخ أن أبا طالب لما حضرته الوفاة حضر عنده أبو جهل وجماعة من كفار قريش وحضر النبي - ﷺ -، قال له: «يا عم، قل كلمة أحاج لك بها يوم القيامة» قال له أبو جهل: أترغب عن ملة الأشياخ وتجزع عند الموت؟ وكلما كرر النبي - ﷺ - مقالته كرر عليه أبو جهل مقالته، وكان آخر كلمة قالها: هو على دين الأشياخ، هو على دين عبد المطلب، ومات.
الرابع: أنه لم ينقل عنه صلاة، فأين إسلامه؟
الخامس: أن الصدر الأول من أولاد علي ﵁ كانوا قائلين بكفر أبي طالب، ويدل عليه كتابهم إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي مغايرة، كتبوا إليه: "إنا لم تلدنا الأعاجم ولا السراري -يعنون العباس رضي
[ ٣١٧ ]
الله عنه فإن أمه سرية أعجمية- وإن أبانا أخف أهل النار عذابا في قدميه نعلان يغلي منهما دماغه، وإن الإمامة لنا". فكتب إليهم المنصور: "إن قولكم لم تلدنا الأعاجم والسراري فهذا كذب وبهت، أنتم أولاد شاه زنان بنت كسرى وهو سيد الأعاجم أخذت قهرا وشراها الحسين ﵁، وأما قولكم إن أباكم أخف أهل النار عذابا، فليس في عذاب الله فخر، خف أو ثقل، وأما قولكم إن الإمامة لكم فإن صح فقد باعها الحسن ﵁ على بني أمية بخرق ودراهم، ونحن أخذناها من بني أمية" وكتب شعرا:
دعوا الأسد ترتع في غابها ولا تدخلوا بين أنيابها
سلبنا أمية في دارها فنحن أحق بأسلابها