من الأمور التي يرمي بسببها بعض المسلمين إخوانهم بالكفر هو تأويل كلام الله وصرفه عن ظاهره خطأ واجتهادًا. والحق أن هذا من الأمور الدقيقة والخطيرة، وذلك أن هذه المسألة تتعلق بالقلب أكثر مما تعلق بالظاهر. وذلك أن التأويل قد يصدر من الخاطئ المتعمد للإفساد والغواية وتلبيس الحق بالباطل، وهذا كفر والعياذ بالله وقد يصدر من مجتهد لم يظهر له وجه الحق فأول كلام الله وصرفه عن ظاهره. ولا يحدد الفرق بين هذا وهذا إلا علام الغيوب المطلع على السرائر ﷾.
ولذلك فالمسارعة إلى تكفير شخص ما صدرت منه فتوى أو رأي جاء على خلاف كلام الله تبارك
[ ١٠٣ ]
وتعالى تعجل غير محمود، وإنما الواجب في مثل هذه الأمور التعرف الكامل على مراد المتكلم من كلامه. والغاية التي يقصدها في النهاية وإقامة الحجة عليه إن كان بالإمكان ذلك، وهذا الكلام المجمل لا يحتاج إلى تفصيل.
(ا) لكل متكلم مقصد يريده، وفي سبيل ذلك يتخذ الأسلوب الذي يقدر عليه، وقد يخونه الأسلوب وتختلط عليه الكلمات فتحتمل معنى لا يريده أبدًا، ولا يقصد إليه، فمن الخطأ كل الخطأ تفسير كلام إنسان ما حسب ما يقتضيه أسلوبه، لا حسب ما يريد هو أن يعبر عنه، ولذلك لا يجوز أن نفسر كلام شخص ما إلا بعد معرفة المعنى الذي يريد التعبير عنه، وليحمل بعد ذلك الأسلوب على المعنى المراد. ولا يقتصر هذا في كلام البشر. بل يجب تطبيق هذه القاعدة نفسها في كلام الله وكلام رسوله ﷺ.
(ب) إذا فهم المعنى الذي يريد المتكلم الوصول إليه، فليكن النظر بعد ذلك في الغاية والهدف الذي سيق المعنى من أجله فقد يكون المعنى في ذاته صوابًا، والهدف الذي يريد المتكلم الوصول إليه باطلًا ولا تنس الكلمة العظيمة (كلمة حق أريد بها باطل) . فكم من
[ ١٠٤ ]
كلام حق في نفسه ولكن قائله ما أراد به إلا الشر والفتنة. وليس هذا مجال التمثيل والتوضيح.
(ج) إذا تحدد المعنى والهدف اتضحت السبيل. وليس على المسلم بعد أن رأى عوجًا وانحرافًا إلا أن يقيم الحجة إن أمكنه ذلك، فإن رد أحدهم الحق بعد علمه وكابر وجحد عن علم وبصيرة فهو الزيغ والعياذ بالله.
وعلى كل فهذا المجال محفوف بالمخاطر لأنه في غالبه اتهام للنيات. واتهام النيات شيء خطير إن لم ينبن على أسس ثابتة قطعية صريحة، وأما مجرد الشبهات والظواهر وتتبع الأخطاء فكل ذلك لا يجوز أن يحمل مسلمًا على تكفير مسلم، ولم يبق إلا إقامة الحجة والأعذار إلى الله وبيان الخطأ دون اللجوء إلى التكفير والتشهير، والحكم أولًا وأخيرًا لله رب العالمين العليم بالنيات المطلع على السرائر.
ولقد كان هذا الباب، أعني باب تأويل كلام الله وصرفه عن ظاهره، وما يزال أعظم أبواب الشر التي فتحت على المسلمين، فيجب الحذر منه كل الحذر.
وقد كان من الأسباب التي ساعدت على التأويل ما يأتي:
[ ١٠٥ ]
١- اللغة العربية بحسب وضعها فيها كثير من الصور البلاغية والبيانية التي تلجأ إلى التمثيل والتشبيه والاستعارة والكناية، وفيها من وجوه المجاز ما فيها. ولقد ساعد هذا على اختلاف الآراء وتباين الأفكار، ليس في الأمور العملية الشرعية وحدها بل وأيضًا في الأمور العقائدية الإيمانية. وليست هذه ثغرة في اللغة العربية أو نقص، وإنما كل اللغات كذلك، وإن كان اللغة العربية أثراها، وأكثرها تصرفًا في القول وتحسينًا في البيان وهذا في حقيقته ميزة وليس بثغرة إذا عرف الأصل الذي تحدثت عنه آنفًا وهو وجوب تفسير كلام المتكلم حسب المعنى الذي يريده لا حسب المعنى الذي يحتمله اللفظ.
٢- استغل المبطلون من أعداء الإسلام وأهل الأهواء هذا فلجأوا إلى تحريف الإسلام من داخله بدعوى أن هذا مضمون اللفظ والمعنى المقصود، ولجأوا إلى تحريف الآيات والأحاديث التي تعارض المعنى الخبيث الذي يريدون الوصول إليه.
ثم جاء من يحمل كلام الله على معان لا يريدها الله ورسوله جملة وتفصيلًا وبذلك نشأت التأويلات البعيدة وكلها تحت ستار الإسلام.
[ ١٠٦ ]
ولذلك فيجب التصدي لكل ذلك والرجوع في فهم الإسلام إلى سلطته الأولى، والقواعد العربية، والالتزام بظاهر اللفظ دائمًا، إلا إذا جاء دليل حتمي نعلم به يقينًا أن مقصود المتكلم من كلامه ليس هو ظاهر لفظه وإنما هو معنى آخر.
وعلى كل حال فإن أمر المبطل المؤول للإفساد والغواية لا يشتبه بأمر المحق المجتهد المتأول، وذلك على الناقد الخبير، ولذلك فلا يجوز لنا والحالة هذه التعجل في إطلاق لفظ الكفر على من ظهر التأويل في كلامه إذا عرفنا مقصده وغايته وأنها ليست تحريفًا للإسلام ولا إيثارًا للباطل على الحق، ولذلك لم يكفر علماء السلف المعتزلة، والمؤولين من الأشعرية لأن غايتهم كانت دفاعًا عن حوزة الإسلام، وتصديًا للزنادقة والفلاسفة وإن كان هؤلاء العلماء من السلف قد حكموا ونشروا بأن كتب الكلام التي ألفوها في العقيدة (الإسلام) باطلة يجب حرقها ولا يجوز ميراثها. وكلام الإمام الشافعي ﵁ واضح وصريح في هذا، وكذلك كلام الإمام أحمد بن حنبل ﵁.
وهذا الموقف الصلب السليم الذي وقفه علماء
[ ١٠٧ ]
السنة في كل عصر هو الموقف اللازم في عصرنا الحاضر، حيث كثر المبطلون المؤولون الزاعمون نصر الإسلام والمسلمين.
فالرد إلى كتاب الله ورسوله أولًا والتزام بظاهر اللفظ ومعناه العربي وتحريم التأويل ما لم يأت دليل قطعي يبين أن مراد الله ومراد رسوله ليس الظاهر المتبادر وإنما هو المعنى الآخر المؤول. وهذه أمور يجب التمسك بها، وفهمها فهمًا جيدًا وتعلم تطبيقها على شتى أنواع التأويلات ليكون المؤمن على بصيرة من أمره، ثم بعد ذلك ترك الرمي بالكفر وغيره إلا بعد البيان القطعي الذي لا يقبل المكابرة والجدل.
****
[ ١٠٨ ]