ما دام أن الله ﷾ قد أنزل تشريعه لعباده ليلتزموا به، وأنه لم يخيرهم ﷾ في الأخذ به أو تركه وإنما فرض هذا وألزمه، وأخبر سبحانه أن هذا هو المقصود من خلقهم حتى لا يكون خلقهم عبثًا ولا هملًا، فإن مقتضى الإيمان به هو تنفيذ أمره ونهيه، فإذا كان معنى لا إله إلا الله لا مطاع طاعة مطلقة إلا الله ولا مشرع للناس في شئون حياتهم إلا الله، أقول ما دام أن أمر الإيمان كذلك فإن هذا الأمر ينتقض بالتعالي عن أمره، والخروج عن حكمه، وإبطال شريعته والحكم بغيرها، وقد نص الله على هذا الأمر
[ ٥٨ ]
في كتابه بنصوص صريحة واضحة، قال تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ .
وكان هذا تعقيبًا على اليهود الذين أرادوا إبطال حكم الرجم الثابت في توراتهم وذلك بسؤال الرسول عن هذا الحكم لعله يفتي بخلافه أو بحكم أخف من الرجم فيكون لهم مندوحة عند الله في زعمهم - في التنصل من هذا الحكم. قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (المائدة: ٤٤) .
وها أنت ترى أن الله ﷾ قد ختم الآية -وإن كانت في شأن اليهود- بحكم عام يشمل كل أمة لها رسالة وتشريع. ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (فمن) من صيغ العموم وهي تعم كل من اتصف بهذه الصفة.
وهناك سؤال معروف: هل يعد كافرًا كل من حكم في قضية ما بحكم غير حكم الله ﵎؟
[ ٥٩ ]
والجواب على ذلك أن هناك صورًا ثلاثًا لهذا الأمر:
الأولى: أن يحكم بغير ما أنزل معتقدًا أن ما حكم به هو الأفضل، وهذا كفر بإجماع المسلمين ولا مخالف لذلك.
الثانية: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن ما حكم به متساو مع حكم الله وأن هذا مثل هذا. وهذا أيضًا كفر بالإجماع لأنه يساوي الله بخلقه. كما قال تعالى: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ (الأنعام: ١) .
الثالثة: أن يعتقد أن حكم الله هو الخير وهو الحق، وكل حكم يخالفه مرجوح باطل، ولكنه يحكم به بدافع من شهوة، أو رشوة، أو منصب أو غير ذلك. وهذا الذي قال فيه ابن عباس ﵄. (كفر دون كفر) أي كفره لا يخرجه من ملة الإسلام ومن جماعة المسلمين.
وبهذا يكون الحاكم واضحًا في شأن الذين يجعلون شريعة الله على قدم المساواة مع شريعة أنفسهم أو من يتبعونهم من الكفار وفي شأن الذين يصفون
[ ٦٠ ]
حكم الله بالرجعية والجمود والتخلف عن مسايرة الزمن.
وثمة نقطة هامة في هذا الصدد أحب بيانها حتى لا تلتبس الأمور وهي أن اجتهاد الأئمة والفقهاء في عصر ما لا يعتبر حكمًا لله ﵎ وإنما حكم الله هو نص كتابه، وحديث رسوله ﷺ فقط، وما سوى ذلك معرض للصواب والخطأ لأنه اجتهاد المجتهد يصيب ويخطئ وأما حكم الله فلا يخطئ أبدًا ﷾.
فلا يعد مخالفًا لحكم الله ﵎ وخارجًا عنه من خالف شيئًا من أقوال الأئمة والفقهاء. وإنما يعتبر كذلك من خالف النصوص الصريحة الواضحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.