العقيدة الواحدة والتشريع الواحد تفرضان على المؤمنين الالتزام بوحدة جامعة وأخوة لازمة لا يكمل إيمان فرد فيها إلا بأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فالعقيدة الواحدة إيمان واحد بالله ﷾ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والشريعة الواحدة
[ ٦٦ ]
تفرض الوحدة والمحبة، وتنفي الفرقة والخلاف في كل صورة من صورها فمن الوقوف في الصلاة صفًا واحدًا بين يدي الله إلى إزالة الأذى عن طريق المسلمين نجد الرغبة في الالتحام والقرب والأخوة، فأدنى عمل في الإسلام وهو رفع الأذى عن طريق المسلمين يشعر بالحب والقرب من المسلم لإخوانه ومجتمعه، وهكذا الزكاة والصيام والحج يكاد أن يكون المقصد الأول من كل ذلك بعد عبادة الله ﵎ تحبيب المسلم من أخيه المسلم، وربط المسلمين بأخوة جامعة، ووحدة عجيبة، هذه الوحدة والأخوة يصبح السعي في تفريقها وتمزيقها جريمة من الجرائم تصل إلى الكفر في بعض صورها وتكون معصية وإثمًا وظلمًا في صور أخرى مخففة لا تتصل بالعقيدة أعني استحلال الفرقة والخلاف، فإن استحلال تفريق المسلمين وإذهاب وحدتهم كفر مخرج من الملة بلا خلاف.
وإذا فهمت هذه المقدمة جيدًا يصبح الوصول إلى الحكم الآتي سهلًا ميسورًا، فما المقصود بولاية المسلم لأعداء الله.
- الولاية في لغة العرب تطلق على النصر والتأييد والإعانة فلان ولي لفلان وموال له أي مؤيد وناصر.
[ ٦٧ ]
والله ولي الذين آمنوا: ناصرهم ومؤيدهم ومعينهم.. أولياء الله الذين يقومون بنصره ﷾ كما قال ﷿: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (محمد: ٧) وعلى هذا المعنى يكون اتخاذ أعداء الله أولياء، يعني اتخاذهم أنصارًا ومؤيدين. تنصرونهم وينصرونكم، وتؤيدونهم ويؤيدونكم، والأصل في هذا قول الله ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (المائدة: ٥١) .
فهذه الآية نص صريح في النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء والحكم على من فعل ذلك من المسلمين بأنه منهم أي يهودي أو نصراني، وسمى الله من يفعل ذلك ظالمًا لأنه يضع الولاية في غير محلها، فبدلًا من أن يوالي الله ورسوله والمؤمنين يوالي أعداء الله من اليهود والنصارى ومن على شاكلتهم، ولكن ثمة تفصيل في أمر الولاية وهذا التفصيل ينقسم إلى قسمين:
(ا) القسم الأول: بحسب حالة اليهود والنصارى ووضعهم.
[ ٦٨ ]
(ب) القسم الثاني: بحسب نوع هذه الولاية والتأييد.
فأما القسم الأول: فإن من اليهود والنصارى وغيرهم محاربين معادين لله ورسوله وللمؤمنين وهؤلاء لا علاقة مع أمة الإسلام بهم إلا العداوة والحرب وقد نزلت الآيات في شأن جماعة من هذا القبيل وهم حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول من اليهود الذين أراد الرسول تأديبهم لخيانتهم فاستشفع ابن سلول فيهم ونهاه الرسول عن ذلك ونزلت الآية السابقة في هذا الشأن فلا يجوز بحال موالاة المحاربين لأمة الإسلام سواء كانت هذه الحرب مباشرة أي بمساعدتهم لأعداء الإسلام، وجميع أنواع الولاية من حب ونصر وتأييد وإعانة مرفوضة مع هؤلاء، ومن فعل فقد انتقل من معسكر المسلمين إلى معسكر الكافرين.
وأما غير المحاربين منهم وهم المحايدون المستأمنون في بلاد الإسلام أو القاطنون في غيرها الذين لا يحاربون المسلمين بأنفسهم ولا بمساعدتهم لغيرهم فهؤلاء يجوز أن يكون بين المسلمين وبينهم نوع من ولاية نص الله ﵎ عليها بقوله:
﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ (الممتحنة: ٨) . وهذا البر المسموح
[ ٦٩ ]
به والإقساط غير الولاية التي نهانا الله ﵎ عنها وأخبر أنها خروج من الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية، وبهذا يظهر لنا معنى الولاية المسموح بها -إن صح هذا التعبير- من الولاية التي نهانا الله ﵎ عنها.
وأكبر الإثم وأعظمه في هذا الأمر هو ولاية المسلم للكافر على أخيه المسلم، أعني أن يعاضد المسلم الكافر ضد إخوانه المسلمين هذه ولاية الكفر المخرجة من الإسلام والعياذ بالله، لأنها بمثابة الحرب للإسلام والمسلمين ودين الله ﷿. وكم يمارس مثل هذا ضعاف النفوس من الحكام رغبة في أن يحفظ عليهم أعداء الإسلام مناصبهم وكراسيهم. إلا أنها مناصب زائلة. وأنها لحسرة وندامة عليهم يوم القيامة!
وخلاصة هذا الأمر هو أن المسلمين أمة واحدة يكون ولاء كل مسلم لها، وقلبه معها ويده ولسانه وسلاحه معها، ولا يجوز أن يصرف شيء من ذلك لأعداء الإسلام، فمن فعل غير ذلك فقد انتقل من معسكر الإسلام إلى معسكر الكفر شاء أم أبى. انظر كيف يقسم الله الناس إلى معسكرين لا ثالث لهما:
قال تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله
[ ٧٠ ]
أضل أعمالهم *والذين آمنوا وعملوا الصالحات *وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم *ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم، كذلك يضرب الله للناس أمثالهم﴾ (محمد: ١-٣) .
ثم يعقب بعد هذا التقسيم للناس بقوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب *حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق *فإما منًا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ الآية (محمد: ٤) .
إن هذا الانفصال بين أمة الإسلام وأمة الكفر الداعية إلى الكفر المحاربة للمسلمين واجب ولازم لاستمرار هذه الدعوة وبقاء هذه الرسالة فإن لم يكن في الأوطان والدول فليكن أولًا في العقيدة والشعور ولا بد، وبغير هذا لا يكون هناك إسلام.