أَنه لما لم يكن وجود على الْحَقِيقَة إِلَّا البارئ تَعَالَى ومصنوعاته وَلم يكن لَهُ ضد وَلَا ند وَكَانَ هُوَ الْمَوْجُود على الْإِطْلَاق فوجود مصنوعاته مقتبس من وجوده حَتَّى إِنَّه لَو توهم ارتفاعه تَعَالَى لارتفع كل مَوْجُود وَصَارَ وجود الْعَالم كلا وجود إِذْ لم يكن لَهُ قوام بِذَاتِهِ وَصَارَ
[ ٨٩ ]
كَأَنَّهُ مَوْجُود وَاحِد وَصَارَ كَأَنَّهُ صُورَة لَهُ إِذْ كَانَ وجوده بِهِ كَمَا يُوجد المصور بصورته وَإِن كَانَ تَعَالَى لَا يُوصف بالصورة
وَقد قَالَ أفلاطون نَحْو هَذَا فِي كتاب طيماوس وَذَلِكَ أَنه قَالَ
مَا الشَّيْء الَّذِي هُوَ مَوْجُود الدَّهْر وَلَيْسَ لَهُ تكون الْبَتَّةَ
وَمَا الشَّيْء الَّذِي يتكون الدَّهْر وَلَيْسَ لَهُ الْبَتَّةَ وجود
فَالْأول الْأَنْوَاع والأجناس وَالثَّانِي الْأَشْخَاص
فَجعل الْأَشْخَاص الَّتِي هِيَ مَوْجُودَة عندنَا كَأَنَّهَا غير مَوْجُودَة لِأَنَّهَا فِي سيلان مُتَّصِل واستحالة دائمة وَأثبت الْوُجُود لأنواعها وأجناسها وَإِن كَانَت غير مَوْجُودَة بالحواس عندنَا لثباتها على حَال
[ ٩٠ ]
وَاحِدَة لَا تَتَغَيَّر عَن طبعها فَهَكَذَا جعل ارسطاطاليس الْعَالم حِين كَانَ لَا قوام لَهُ بِنَفسِهِ كَأَنَّهُ غير مَوْجُود وَجعل الْوُجُود إِنَّمَا هُوَ البارئ ﷿ وَحده وَجعله كالصورة الَّتِي لَا يُوجد المصور إِلَّا بهَا تَقْرِيبًا لَا حَقِيقَة حِين كَانَ وجوده سَببا لوجودها كَمَا تكون الصُّورَة سَببا لوُجُود مصورها
وتسمي الصُّوفِيَّة هَذَا الفناء فِي التَّوْحِيد ويرونه أرفع مراتبه فَهَذَا أحد الْمعَانِي الَّتِي بهَا سمي البارئ تَعَالَى صُورَة للأشياء