نجد الْإِنْسَان بِالْمُشَاهَدَةِ يبْدَأ طفْلا لَا يعلم شَيْئا ثمَّ لَا يزَال كلما نَشأ يترقى فِي المعارف وتكثر المعقولات فِي نَفسه حَتَّى يصير فيلسوفا حكيما
فَلَا يَخْلُو مَا يستفيده من التَّمْيِيز والمعرفة أَن يكون
من قبل جِسْمه فَقَط
أَو من قبل نَفسه فَقَط
أَو من قبلهمَا مَعًا
فَإِن كَانَ من قبل جِسْمه فَيجب أَن يكون الْإِنْسَان كلما ضخم جِسْمه وَكَثُرت مادته كَانَ أقعد بِقبُول المعارف وَكلما ضؤل وَقلت مادته
[ ١٢٨ ]
كَانَ أبعد عَن قبُول المعارف وَنحن نجد الْأَمر بعكس ذَلِك لأَنا نرى من بِهِ السلال والذبول ينقص جِسْمه كل يَوْم وذهنه بَاقٍ على كَمَاله إِلَى أَن تُفَارِقهُ النَّفس فَبَطل بِهَذَا الدَّلِيل أَن يكون ذَلِك من قبل جِسْمه
وَبِنَحْوِ هَذَا الدَّلِيل يبطل أَن يكون ذَلِك من قبل نَفسه وجسمه مَعًا فَإِذن مَا يستفيده الْإِنْسَان من التَّمْيِيز والمعارف إِنَّمَا هُوَ من قبل النَّفس فَقَط ولاحظ فِي ذَلِك للجسم أَكثر من أَنه آلَة لَهَا بِمَنْزِلَة الْآلَات للصناعة وَلَا يَصح وجود التَّمْيِيز والمعارف من موَات وَإِنَّمَا يَصح وجودهما من حَيّ
فَالنَّفْس إِذن حَيَّة بالطبع لِأَن فِي طبعها قبُول الْعُلُوم والمعارف
والجسم موَات بالطبع إِذْ لَيْسَ فِي طبعه قبُول شَيْء من ذَلِك
فَبَان بالبرهان أَن الْإِنْسَان مركب من جوهرين
[ ١٢٩ ]
أَحدهمَا حَيّ بالطبع وَهِي النَّفس
وَالْآخر موَات بالطبع وَهُوَ الْجِسْم
وإنهما لما اقترنا عرض لكل وَاحِد مِنْهُمَا عرض من قبل صَاحبه فَعرض للجسم الْحَيَاة الَّتِي هِيَ الْحس من قبل النَّفس وَعرض للنَّفس الْمَوْت الَّذِي يُرَاد بِهِ الْجَهْل من قبل الْجِسْم
فَالنَّفْس إِذن حَيَّة بالطبع ميتَة بِالْعرضِ والجسم ميت بالطبع حَيّ بِالْعرضِ فَإِذا انْفَصل كل وَاحِد مِنْهُمَا من صَاحبه خلص للجسم الْمَوْت الْمَحْض الَّذِي هُوَ طبعه وفارقته الْحَيَاة العرضية الَّتِي كَانَ استفادها من النَّفس وخلص للنَّفس الْحَيَاة الْمَحْضَة الَّتِي هِيَ طبعها وفارقها الْمَوْت العرضي الَّذِي كَانَ عرضا لَهَا من قبل استغراقها فِي الْجِسْم