خَواص هَذِه النَّفس محبَّة الْعُلُوم النظرية الَّتِي لَا يُرَاد مِنْهَا أَكثر من الْوُقُوف على حقائقها فَقَط والحرص على معرفَة أَسبَاب الْأَشْيَاء وعللها وَالِاسْتِدْلَال بظواهر الْأُمُور على بواطنها وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الموجودات فِي الْوُجُود وَكَيف انبعثت عَن البارئ ﷿ وَكَيف انْبَعَثَ بَعْضهَا من بعض بِمَا سرى فِيهَا من وحدانية الله تَعَالَى الَّتِي حصلت لكل مَوْجُود ذَات ينْفَصل بهَا من ذَات مَوْجُود آخر
وَبهَا يكون وجود الصُّور فِي الهيولى وَفِي الْمَوْضُوع الشبيه بالهيولى وَهُوَ الْجَوْهَر الْحَامِل لصور الأفلاك وَالْكَوَاكِب وَهل الْعَالم قديم أَو مُحدث وَمَا الْفرق بَين الأزلي والمحدث
وَمَا الْفرق بَين الأزلي الْمُطلق والأزلي الْمُضَاف
وَمَا الْفرق بَين الْمُبْدع والمكون
وَكَيف صَار الْمُبْدع وَاسِطَة بَين الأزلي والمكون
[ ٥٠ ]
وَهل خَالق الْعَالم وَاحِد أَو أَكثر من وَاحِد
وَإِقَامَة الْبَرَاهِين على أَنه لَا يَصح أَن يكون إِلَّا وَاحِدًا لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء
وَمَا الْحِكْمَة فِي وجود الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ
وَمَا المكون مِنْهَا وَمَا الْمُبْدع
وَمَا الْفرق بَين الْفَاعِل على الْحَقِيقَة وَالْفَاعِل على الْمجَاز وَالْفَاعِل الْمُطلق وَمَا الْحِكْمَة فِي دوران الأفلاك حَرَكَة مستديرة غير مُسْتَقِيمَة
وَمَا الْوَاجِب وَمَا الْمُمكن وَمَا الْمُمْتَنع
وَكَيف صَار مَا فَوق الْأَرْبَعَة الْأَركان من حيّز الْوَاجِب وَمَا تَحت الْأَركان من حيّز الْمُمكن
وَمَا الموجودات الَّتِي أُوتيت كمالها فِي جواهرها وأفعالها وَمَا الموجودات الَّتِي لم تؤت كمالها لَا فِي جواهرها وَلَا فِي أفعالها فهما طرفان
[ ٥١ ]
وَمَا الموجودات الَّتِي أُوتيت كمالها فِي جواهرها وَلم تؤت كمالها فِي أفعالها فَصَارَت متوسطة بَين الطَّرفَيْنِ
وَلم سكن الصِّنْف الأول فَلم تكن لَهُ حَرَكَة وتحرك الصنفان الْآخرَانِ
وَمَا الْحِكْمَة فِي وجود النواميس والنبوات فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد
وَمَا الْفرق بَين النُّبُوَّة وَالسحر وَالْكهَانَة والفلسفة
وَكَيف تفيض قُوَّة الْوَحْي على الْأَنْبِيَاء
وَمَا الْفرق بَين الْإِنْسَان الَّذِي يُوحى إِلَيْهِ وَالَّذِي لَا يُوحى إِلَيْهِ
وَلم صَار الْإِنْسَان مَأْمُورا مَنْهِيّا دون غَيره
ومل سمي عَالما صَغِيرا وَسمي الْعَالم إنْسَانا كَبِيرا
وَمَا السياسة وَكم أَنْوَاعهَا
فَهَذِهِ الْأُمُور كلهَا من خَاصَّة النَّفس الفلسفية أَن تعرفها
[ ٥٢ ]
بَعْضهَا على جِهَة التَّصَوُّر وَبَعضهَا على جِهَة التَّصْدِيق من غير تصور وَلَكِن لَيست كل نفس تتعاطى الفلسفة يتهيأ لَهَا أَن تعرف ذَلِك كُله وَلَكِن تعرف بعضه
وَإِنَّمَا تتهيأ معرفَة هَذِه الْأُمُور على كمالها للنَّفس الَّتِي اتّفق لَهَا فِي فطرتها وَكَونهَا أَن فطرت وفيهَا استعداد لقبُول ذَلِك وَكَانَت هاجرة للذات مميتة للشهوات زاهدة فِي الدِّينَار وَالدِّرْهَم محبَّة للخير وَأَهله مبغضة للشر وَأَهله مرتبطة بالنواميس مكتسبة للفضائل مطرحة للرذائل قد اجْتمع لَهَا الْعلم وَالْعَمَل
فَهَذَا هُوَ الفيلسوف الْحق عِنْد ارسطو وأفلاطون وزعماء الفلاسفة
وَمن لم يكن عِنْدهم بِهَذِهِ الصّفة فَلَيْسَ بفيلسوف وَلذَلِك قَالَ أرسطو لَيْسَ الْغَرَض أَن تعلم فَقَط وَإِنَّمَا الْغَرَض أَن تعلم وتعمل وتكونوا أخيارا فضلاء مرتبطين بالنواميس
[ ٥٣ ]
وَقَالَ اقْتُلُوا من لَا دين لَهُ
وَقَالَ أفلاطون من أَرَادَ قِرَاءَة الفلسفة فليطهر أخلاقه من الرذائل فَإِنَّهُ لَا يتَعَلَّم الفلسفة الطاهرة من كَانَ نجسا كَمَا لَا يُمكن أحد أَن يرى وَجهه فِي مَاء كدر ومرآة صدئة