مرتبَة هَذِه النَّفس الْكُلية عِنْد من أثبتها من الفلاسفة تَحت أفق الْعقل الفعال وَالْعقل مُحِيط بهَا من جَمِيع جهاتها وَهِي مُحِيطَة بكرَة الأفلاك
وَلها فِيمَا زَعَمُوا دائرتان وَخط مُسْتَقِيم
فالدائرة الأولى مُتَّصِلَة بالفلك الْمُحِيط وَهُوَ طرفها الْأَعْلَى
والدائرة الثَّانِيَة هِيَ الطّرف الْأَدْنَى ومكانها مَرْكَز الأَرْض وَهَذَا تقريب لِأَن الْجَوَاهِر المعقولة لَا تُوصَف بالأمكنة وَلَا بالجهات السِّت وَزَعَمُوا أَن بَين طرفها الْأَعْلَى وطرفها الْأَدْنَى خطا يصل بَين الدائرتين يسمونه سلم الْمِعْرَاج وَبِه يتَّصل الْوَحْي بالأنفس
[ ٥٦ ]
الْجُزْئِيَّة الطاهرة وَبِه تنزل الْمَلَائِكَة وتصعد الْأَرْوَاح الزكية إِلَى الْعَالم الْأَعْلَى
وَلَهُم فِيهَا كَلَام طَوِيل اقتصرنا مِنْهُ على هَذِه الْجُمْلَة لِأَن غرضنا فِي هَذَا الْكتاب غير ذَلِك
[ ٥٧ ]
الْبَاب الثَّانِي فِي شرح قَوْلهم إِن الْإِنْسَان يَحْكِي دَائِرَة وهمية وَإِن ذَاته تبلغ بعد مماته إِلَى حَيْثُ يبلغ علمه فِي حَيَاته
قد تَأَمَّلت أرشدنا الله وَإِيَّاك إِلَى صَوَاب القَوْل وَالْعَمَل وعصمنا من الْخَطَأ والزلل هَذَا الَّذِي قَالُوهُ واعتبرت مَا ذَكرُوهُ فَوَجَدته يحْتَمل تأويلين
أَحدهمَا أَن الْإِنْسَان يفتح نظره بِشَيْء لَا مَادَّة لَهُ وَيَنْتَهِي نظره إِلَى شَيْء لَا مَادَّة لَهُ فَيكون مرجع علمه وَنَظره إِلَى مثل مبدئه كَمَا أَن مبدأ صُورَة الْإِنْسَان من شَيْء لَا مَادَّة لَهُ وغايته أَن يعود شَيْئا لَا مَادَّة لَهُ وَلست أَعنِي مبدأ صُورَة جِسْمه الَّتِي هِيَ شكل هيولاه لِأَن هَذِه مبدؤها الْمَادَّة وَإِنَّمَا الْمَادَّة وَإِنَّمَا أَعنِي مبدأ صورته الناطقة الَّتِي بهَا
[ ٥٨ ]
صَار الْإِنْسَان إنْسَانا وانفصل عَن الْحَيَوَان الَّذِي لَا نطق لَهُ لِأَن هَذِه الصُّورَة مبدؤها من الْعقل الفعال ومرجعها إِلَيْهِ
وَشرح هَذِه الْجُمْلَة أَن مبدأ علم الْإِنْسَان الْأَعْدَاد الَّتِي لَا تحْتَاج فِي تفهمها إِلَى مَادَّة ثمَّ يترقى مِنْهَا إِلَى النّظر فِي الأعظام الَّتِي تحْتَاج فِي تفهمها إِلَى الْمَادَّة غير أَن مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي بَعْضهَا من الْمَادَّة أقل مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي بعض لِأَن مبدأ الأعظام النقطة الَّتِي هِيَ مبدأ الْخط وَلَا بعد لَهَا ثمَّ الْخط الَّذِي هُوَ مبدأ السَّطْح ثمَّ السَّطْح الَّذِي هُوَ مبدأ الْجِسْم وَهَذِه يحْتَاج فِي تفهمها إِلَى مَادَّة يسيرَة فَإِذا انْتهى إِلَى النّظر فِي الْجِسْم استغرق فِي الْمَادَّة وَحصل بنظره فِي الْعلم الطبيعي ثمَّ يبْدَأ يَنْسَلِخ من الْمَادَّة قَلِيلا قَلِيلا على تدرج كَمَا ترقى إِلَيْهَا قَلِيلا قَلِيلا عِنْد نظره فِي النقطة والخط والسطح فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يُفَارق الْمَادَّة قَلِيلا وَذَلِكَ أَنه إِذا نظر فِي العناصر والمعادن فَإِنَّمَا ينظر فِي أجسام غضة لَيْسَ فِيهَا مبدأ غير الطبيعة فَإِذا صَار إِلَى
[ ٥٩ ]
النّظر فِي النَّبَات وجد فِيهِ مبدأ من مبادئ النَّفس وَتسَمى هَذِه النَّفس النباتية فَيكون قد ابْتَدَأَ بالانسلاخ من الْمَادَّة قَلِيلا قَلِيلا فَإِذا صَار إِلَى النّظر فِي الْحَيَوَان غير النَّاطِق وجد أَمر النَّفس فِيهِ أقوى وَتسَمى هَذِه النَّفس الحيوانية فَيكون قد انْسَلَخَ من الْمَادَّة أَكثر فَإِذا صَار إِلَى النّظر فِي الْحَيَوَان النَّاطِق وجد فِيهِ أَمر النَّفس أقوى وَوجد فِيهِ مبدأ آخر غير النَّفس الحيوانية وَهُوَ الاستعداد لقبُول الْأُمُور المعقولات
ثمَّ يشرع بِالنّظرِ فِي أُمُور النَّفس فَيصير متوسطا بَين الْأُمُور الْعَقْلِيَّة الْمُجَرَّدَة من الْمَادَّة وَبَين الْأُمُور الجسمانية ذَوَات الْموَاد فَإِذا أمعن فِي النّظر فِي أَمر النَّفس الناطقة لاحت إِلَيْهِ المبادئ الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَيست بمادة فَيكون قد انْسَلَخَ من الْمَادَّة كلهَا وَحصل فِي أول مَرَاتِب الْعلم الإلهي
[ ٦٠ ]
ثمَّ يشرع بِالنّظرِ فِي الْأُمُور الْعَقْلِيَّة الْمُفَارقَة للمادة فَأول مَعْقُول يصادفه بِاعْتِبَارِهِ عِنْد صُعُوده الْعقل الفعال
فَإِذا أكمل النّظر فِيهِ وَعلم مرتبته من المعقولات الْمُفَارقَة وَأَنه فِي الْمرتبَة الْعَاشِرَة صعد بِالِاعْتِبَارِ إِلَى النّظر فِي التَّاسِع ثمَّ إِلَى الثَّامِن ثمَّ إِلَى السَّابِع ثمَّ إِلَى السَّادِس حَتَّى يصير بفكره إِلَى الْمَعْقُول الأول الَّذِي هُوَ فِي مرتبَة الْوَاحِد فيجده نِهَايَة الموجودات الَّذِي أَفَادَ كل شَيْء الْوُجُود وكل مَوْجُود مفتقر إِلَيْهِ مقتبس الْوُجُود مِنْهُ فَيكون قد انْسَلَخَ من النّظر فِي الثواني التِّسْعَة وَالْعقل الفعال وَهَذِه هِيَ الَّتِي تسمى بِالْمَلَائِكَةِ المقربين والكروبيين وَيكون قد انْتهى بِاعْتِبَارِهِ وفكره إِلَى البارئ تَعَالَى فيشرع حِينَئِذٍ بِالنّظرِ فِي صِفَاته وَمَا يجوز أَن يُوصف بِهِ وَمَا لَا يجوز وَكَيف انبعثت الموجودات عَنهُ وعَلى أَي جِهَة يَصح أَن يُقَال إِنَّه فاعلها وعلتها حَتَّى لَا يلْحقهُ نقص وَكَيف دبر عَالم الأفلاك بتوسط الثواني وَالْعقل الفعال ودوران الأفلاك حول
[ ٦١ ]
الْأَركان الْأَرْبَعَة فَيَقَع فِي الْعلم السياسي والنواميس وَلَا يزَال ينحدر حَتَّى يرجع إِلَى الْأَشْخَاص المحسوسة الَّتِي مِنْهَا بَدَأَ بِالنّظرِ عِنْد صُعُوده بِالِاعْتِبَارِ
فشبهت الْحُكَمَاء رُتْبَة هَذَا النّظر وَالِاعْتِبَار بالدائرة لِأَنَّهُ ينظر فِي الموجودات عِنْد انحداره غير النّظر الَّذِي ينظر فِيهَا فِي حِين صُعُوده كَمَا يبْدَأ خطّ الدائرة من نقطة ثمَّ يعود إِلَيْهَا على غير الْجِهَة الَّتِي ذهب مِنْهَا
وَيُسمى النّظر الأول الإنساني وَالنَّظَر الثَّانِي الإلهي ويسمون النّظر الأول الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى
فَكَمَا أَن مبدأ الْإِنْسَان من مَعْقُول ومنتهاه إِلَى مَعْقُول وَهُوَ مَا بَين الطَّرفَيْنِ محسوس فَكَذَلِك علمه يبدا من مَعْقُول وَيَنْتَهِي إِلَى مَعْقُول بَينهمَا الْعلم المحسوس فَيكون مُنْتَهى علم الْإِنْسَان هُوَ مُنْتَهى
[ ٦٢ ]
ذَاته فيصل إِلَى عَالم الْعقل فِي حَيَاته الأولى بِعِلْمِهِ وَنَظره وَفِي حَيَاته الثَّانِيَة بِذَاتِهِ وجوهره
فَهَذَا هُوَ المُرَاد بقول من قَالَ إِن ذَات الْإِنْسَان تصل بعد مماته إِلَى حَيْثُ وصل علمه فِي حَيَاته إِلَّا أَنه لَا يتَجَاوَز مرتبَة الْعقل الفعال وَهِي الْمرتبَة الْعَاشِرَة من مرتبَة السَّبَب الأول
وَقَالَ بَعضهم إِن غَايَته أَن يلْحق بمرتبة النَّفس الْكُلية ومرتبتها دون مرتبَة الْعقل الفعال كَمَا ذكرنَا فِيمَا تقدم
فَهَذَا مَا ظهر إِلَيّ فِي شرح كَلَامهم الَّذِي سَأَلت عَنهُ
وَهَاهُنَا وَجه آخر وَهُوَ أَن كل مَوْجُود يُوصف بالنطق فَإِن تجوهره لَا يكمل إِلَّا بِأَن يعقل السَّبَب الأول الَّذِي مِنْهُ انبعثت الموجودات إِلَّا أَن كل مَوْجُود تبعد مرتبته من مرتبته لَا يُمكن أَن يعقله حَتَّى يعقل مَا بَينه وَبَينه من الموجودات السَّابِقَة لَهُ بالمرتبة
فالموجود الثَّانِي الَّذِي هُوَ أقرب الموجودات إِلَيْهِ بالمرتبة
[ ٦٣ ]
لَا يحْتَاج فِي تَكْمِيل تجوهره إِلَى وَاسِطَة
وَأما الْمَوْجُود الثَّالِث فَإِنَّهُ لَا يعقل الأول إِلَّا بتوسط الثَّانِي
فَكَذَلِك الْمَوْجُود الرَّابِع لَا يُمكن أَن يعقله إِلَّا بتوسط الثَّالِث وَالثَّانِي وَكَذَلِكَ مَا بعد ذَلِك
وَلَا يحْتَاج مَوْجُود من هَذِه الموجودات غير الناطقة فِي كَمَال تجوهره إِلَى أَن يعقل مَا دونه فِي مرتبته إِلَّا الْإِنْسَان وَحده فَإِنَّهُ يحْتَاج فِي كَمَال تجوهره إِلَى أَن يعقل مَا فَوْقه وَمَا دونه وَلذَلِك احْتَاجَ فِي كَمَال تجوهره إِلَى أَن يعقل جَمِيع الموجودات وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَن مرتبته من الْوُجُود الفائض من السَّبَب الأول تَعَالَى آخر الْمَرَاتِب لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بعد تقدم الْحَيَوَان غير النَّاطِق والنبات والمعادن والأركان والهيولى فَصَارَت هَذِه الْأَشْيَاء أسبق مِنْهُ بمرتبة
[ ٦٤ ]
الْوُجُود وَإِن كَانَ هُوَ أفضل مِنْهَا لِأَن النَّفس الناطقة صُورَة فِي النَّفس الحيوانية وَالنَّفس الحيوانية صُورَة فِي النَّفس النباتية وَالنَّفس النباتية صُورَة فِي الْمَعَادِن والمعادن صُورَة فِي الْأَركان الْأَرْبَعَة والأركان الْأَرْبَعَة صُورَة فِي الهيولى
فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا قبله فِي رُتْبَة الْوُجُود وَكَانَ لَا سَبِيل لَهُ إِلَى أَن يعقل السَّبَب الأول حَتَّى يعقل مَا بَينه وَبَينه من الموجودات احْتَاجَ إِلَى أَن يعقل مَا دونه كَمَا احْتَاجَ إِلَى أَن يعقل مَا فَوْقه
وَلما كَانَت الموجودات الفائضة من السَّبَب الأول شكلها شكل دَائِرَة آخرهَا الْإِنْسَان كَمَا ذكرنَا فِي الْبَاب الأول احْتَاجَ الْإِنْسَان إِذا سلك على رُتْبَة وجوده أَن يعكس الدائرة عِنْد الِاعْتِبَار فينحط من مرتبته فِي الْوُجُود إِلَى مرتبَة الْحَيَوَان غير النَّاطِق الَّتِي هِيَ أدنى الْمَرَاتِب إِلَيْهِ ثمَّ إِلَى النَّبَات ثمَّ إِلَى الْمَعَادِن ثمَّ إِلَى الْأَركان ثمَّ إِلَى الهيولى
فَإِذا بلغ إِلَى الهيولى كَانَ قد وصل إِلَى أحط الموجودات مرتبَة فِي
[ ٦٥ ]
الْوُجُود فَيبْدَأ بالصعود مِنْهَا نَحْو المبدأ الْأَعْلَى فَيكون إِلَى الصُّورَة أول صُعُوده ثمَّ إِلَى النَّفس ثمَّ إِلَى الْعقل الفعال ثمَّ إِلَى الثواني التِّسْعَة ثمَّ إِلَى البارئ تَعَالَى غير أَنه اذا وصل إِلَى مرتبَة الْعقل الفعال وقف لِأَن قوته الناطقة مِنْهُ بدأت وَإِلَيْهِ تعود وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى معرفَة مَا فَوق الْعقل لتكمل ذَاته وجوهره لَا لتكمل دَائِرَة علمه وَنَظره
وَنحن نكمل هَذَا الْبَاب بِأَن ندير دَائِرَة نمثل بهَا مَا ذَكرْنَاهُ ونقسمها تِسْعَة أَقسَام على مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة ونجعل مبدأها الْعقل الفعال ونتلوه بِمَا يتَّصل بمرتبته فِي الْوُجُود ثمَّ مَا يَلِي منحدرا أَو صاعدا حَتَّى يَنْعَطِف آخر الموجودات عَلَيْهِ
وَلَا نذْكر فِي هَذِه الدائرة أَشْيَاء مِمَّا فَوق الْعقل الفعال لنبين لمن رَآهَا أَن الْإِنْسَان مرجعه إِلَى الْعقل الفعال
[ ٦٦ ]
وَهَذِه صُورَة الدائرة
[ ٦٧ ]
الْبَاب الثَّالِث فِي شرح قَوْلهم إِن فِي قدرَة الْعقل الجزئي أَن يتَصَوَّر بِصُورَة الْعقل الْكُلِّي
هَذَا أوضح الله لَك الخفيات وأعانك على فهم أسرار الموجودات فرع لطيف تَحْتَهُ معنى شرِيف ومرادهم بِهَذَا أَن الْإِنْسَان مُهَيَّأ بفطرته إِذا فاض عَلَيْهِ نور الْعقل فَخرجت قوته الناطقة إِلَى الْفِعْل لِأَن يتَصَوَّر جَمِيع الموجودات فيتحصل فِي عقله الجزئي الصُّور الَّتِي فِي الْعقل الْكُلِّي
وَذَلِكَ أَن البارئ تَعَالَى لما أبدع الْعقل الْكُلِّي أَفَاضَ عَلَيْهِ صُورَة الْأَشْيَاء الَّتِي شَاءَ إيجادها دفْعَة بِلَا زمَان وَلَا حَرَكَة وأفاضها الْعقل الْكُلِّي على النَّفس الْكُلية على دَفعه أَيْضا بِلَا زمَان وإفاضتها النَّفس
[ ٦٨ ]
الْكُلية على الهيولى بِالزَّمَانِ ووساطته حَرَكَة الْفلك إِذْ لم تكن فِي قُوَّة الهيولى أَن تقبلهَا كلهَا دفْعَة وَإِنَّمَا تقبلهَا على المعاقبة
وَخلق الله ﵎ الْإِنْسَان آخر الْمَخْلُوقَات وَجمع فِي خلقته جَمِيع مَا فِي الْعَالم فَصَارَ مُخْتَصرا مِنْهُ وَلذَلِك سمي الْعَالم الْأَصْغَر
وَقيل إِنَّه مُخْتَصر من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَجعله حدا بَين عَالم الْحس وعالم الْعقل فَهُوَ آخر الموجودات الطبيعية وَأول الموجودات الْعَقْلِيَّة وَهُوَ معرض لِأَن يَعْلُو فَيلْحق بالعالم الْأَعْلَى أَو يسفل فَيلْحق بالعالم الْأَدْنَى
وَقد قلت فِي ذَلِك
أَنْت وسطى مَا بَين ضدين يَا إِنْسَان ركبت صُورَة فِي هيولى
[ ٦٩ ]
(إِن عصيت الْهوى عَلَوْت علوا أَو أَطَعْت الْهوى سفلت سفولا) // من الْخَفِيف // فَمن أجل أَنه جمع فِي خلقه جَمِيع مَا فِي الْعَالم الْأَكْبَر صَار مُهَيَّأ بفطرته الفاضلة مستعدا بقوته الْعَاقِلَة لِأَن يتَصَوَّر جَمِيع مَا فِي الْعَالم الْأَكْبَر
وَبَيَان ذَلِك أَن مدركات الْإِنْسَان صنفان
محسوسات
ومعقولات
فالأشخاص هن محسوساته
وأنواعها وأجناسها ومباديها هن معقولات
وَله إدراكان
إِدْرَاك بالحس للأشياء المحسوسات
وَإِدْرَاك بِالْعقلِ للأشياء المعقولات لِأَن كل شَيْء إِنَّمَا يدْرك بشكله
[ ٧٠٢ ]
فإدراكه المحسوسات يُسمى كَمَاله الأول وحياته الأولى وإدراكه المعقولات يُسمى كَمَاله الثَّانِي وحياته الْأُخْرَى
فَإِذا كَانَ الْعَالم كُله صنفين محسوس ومعقول وَكَانَ كَمَال تجوهر الْإِنْسَان بإدراكهما مَعًا وَكَانَ مُهَيَّأ بفطرته لذَلِك صَار الْإِنْسَان إِذا أدْرك المحسوسات والمعقولات فقد تصور بِصُورَة الْعَالم الْأَكْبَر فالإنسان إِذن يسْتَحق أَن يُسمى عَالما صَغِيرا من جِهَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا خلقَة لَا عمل لَهُ فِيهَا
وَالثَّانيَِة اكْتِسَاب يكتسبه إِلَّا أَن سعادته إِنَّمَا هِيَ بالاكتساب وَحُصُول الْعقل الْمُسْتَفَاد
وَأما الخلقية فَإِنَّمَا هِيَ هَيْئَة واستعداد جعل معرضًا بهما لنيل السَّعَادَة إِن فهم ذَاته وَعلم مرتبته من الْعَالم أَي مرتبَة تَحْصِيل هِيَ نجا وَسعد وَإِن جهل ذَاته وَلم يعرف مَا الْغَرَض
[ ٧١ ]
بِكَوْنِهِ آخر الموجودات هلك وَطَالَ شقاؤه وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ (النَّاس نيام فَإِذا مَاتُوا انتبهوا وَقَالَ (أعلمكُم بِنَفسِهِ أعلمكُم بربه)
وَقَالَ لعَلي ﵁ (تقرب إِلَى الله بعقلك إِذا تقرب النَّاس إِلَيْهِ بأعمالهم)
وَلِهَذَا الَّذِي قدمْنَاهُ صَار الْعَالم خَمْسَة أَصْنَاف من الْوُجُود سوى وجوده فِي علم البارئ تَعَالَى
وجود فِي الْعقل الفعال
وَوُجُود فِي النَّفس الْكُلية
وَوُجُود فِي الهيولى
وَوُجُود فِي قُوَّة الْإِنْسَان المتخيلة
[ ٧٢ ]
وَوُجُود فِي قوته الناطقة إِذا حصل لَهُ الْعقل الْمُسْتَفَاد
فَيصير بِهَذَا الِاعْتِبَار كالدائرة الَّتِي تبدأ من نقطة وتعود إِلَيْهَا لِأَن مبدأه أَن يكون صُورَة مُجَرّدَة فِي الْعقل ونهايته أَن يصير صُورَة مُجَرّدَة فِي الْعقل وَعند ذَلِك يتَصَوَّر الْعقل الجزئي بِصُورَة الْعقل الْكُلِّي وَيصير الْإِنْسَان مَوْضُوعا بِصُورَة الْعَالم يحمل صُورَة فِي ذَاته كَمَا تحمل الهيولى الصُّور
فالإنسان إِذا اعْتبر بِهِ الْمُعْتَبر أغرب الْمَخْلُوقَات صَنْعَة وأكثرها أعجوبة وَلِهَذَا قَالَت الْحُكَمَاء إِن الْغَرَض فِي وجوده كَمَال الْحِكْمَة لِأَنَّهُ انتظم بفطرته طرفِي الْعَالم وَصَارَ وَاسِطَة بَينهمَا وَكَمَال الطَّرفَيْنِ بالواسطة الَّتِي تنظمهما
أَرَادوا بذلك أَن البارئ ﷻ لما خلق جوهرا معقولا وجوهرا محسوسا كَانَ كَمَال الْخلقَة فِي أَن خلق جوهرا ثَالِثا يصل بَين الجوهرين وينظم الطبيعتين فَصَارَ الْإِنْسَان حدا بَين عَالم الْعقل وعالم الْحس وَصَارَ من جِهَة صورته الطبيعية فِي أَعلَى مَرَاتِب الصُّور الطبيعية وَمن جِهَة صورته الْعَقْلِيَّة فِي أدنى مَرَاتِب الصُّور العقليات
[ ٧٣ ]
وَفِي كتب بني إِسْرَائِيل أَن الْإِنْسَان خلق على التخوم بَين الطبيعة المائية والطبيعة الَّتِي لَيست بمائية وَيدل أَيْضا على أَنه وَاسِطَة بطبعه أَنه من قسم الْمُمكن والممكن بطبيعته وَاسِطَة بَين الْوَاجِب والممتنع
وَقد قلت فِي ذَلِك على سَبِيل الْوَعْظ
(تتيه وَقد أيقنت أَنَّك مُمكن فَكيف لَو استيقنت أَنَّك وَاجِب) // من الطَّوِيل //
(وَهل لَك من عدن إِذا مت أَو لظى محيص يُرْجَى أَو عَن الله حَاجِب)
وَمعنى كَون الْإِنْسَان من الْمُمكن أَنه صُورَة من الصُّور الَّتِي موضوعها الهيولى وبالهيولى قَامَت طبيعة الْمُمكن لِأَنَّهَا تلبس الصُّورَة تَارَة وتخلعها تَارَة وَتَكون فِيهَا الصُّور تَارَة بِالْقُوَّةِ وَتارَة بِالْفِعْلِ وَلَوْلَا الهيولى لبطلت طبيعة الْمُمكن وَلم يُوجد للأشياء إِلَّا عنصران وَاجِب وممتنع
[ ٧٤ ]
الْبَاب الرَّابِع فِي شرح قَوْلهم إِن الْعدَد دوائر وهمية
اعْلَم أَن الْوَاحِد أصل الْعدَد ومبدؤه وَهُوَ غَايَة لوُجُود الْعدَد وَلَيْسَ بِعَدَد وكل عدد مَنْسُوب إِلَيْهِ ومنعطف عَلَيْهِ انعطاف آخر الدائرة على أَولهَا
وللأعداد إِلَيْهِ نسبتان
إِحْدَاهمَا نِسْبَة تَضْعِيف وتكثير
وَالثَّانيَِة نِسْبَة تجزئة وتقليل
فَأَما نِسْبَة التكثير فكقولك وَاحِد وَاثْنَانِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة فَمَا زَاد وَأما نِسْبَة التقليل فَهِيَ نِسْبَة الكسور كَقَوْلِك نصف وَربع وَخمْس وَثلث وَنَحْو ذَلِك
[ ٧٥ ]
وَالنّصف أَو مَرَاتِب التجزئة والتقليل كَمَا أَن الِاثْنَيْنِ أول مَرَاتِب التَّضْعِيف والتكثير وَهُوَ يذهب فِي كلتا الْجِهَتَيْنِ إِلَى غير نِهَايَة غير أَن التكثير يَبْتَدِئ من أقل الكمية وَيذْهب فِي تزيد إِلَى غير نِهَايَة والتقليل يَبْتَدِئ من أَكثر الكمية وَهُوَ النّصْف وَيذْهب فِي التجزؤ إِلَى غير نِهَايَة
وَإِذا اعْتبرت بفكرك الْأَعْدَاد كلهَا وَالْوَاحد وَجدتهَا ناشئة مِنْهُ وراجعة إِلَيْهِ أما نشوؤها مِنْهُ فَإِن قُوَّة الْوَاحِد تسري إِلَى الْأَعْدَاد فتصوغها بِوَاسِطَة وَبِغير وَاسِطَة وَالْعدَد الَّذِي يتَوَلَّد مِنْهُ بِغَيْر وَاسِطَة هُوَ الِاثْنَان وَأما الثَّلَاثَة فَلَا تُوجد من الْوَاحِد إِلَّا بتوسط الِاثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعَة لَا تُوجد مِنْهُ الا بتوسط الثَّلَاثَة والاثنين وَكَذَلِكَ الْخَمْسَة لَا تُوجد إِلَّا بتوسط الْأَرْبَعَة وَالثَّلَاثَة والاثنين وَهَكَذَا كل
[ ٧٦ ]
عدد لَا يُوجد من الْوَاحِد إِلَّا بتوسط مَا بَينه وَبَين ذَاك من الْأَعْدَاد فَيكون الْعدَد الَّذِي بَينهمَا هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ قُوَّة الوحدانية فَيصير مَوْجُودا بِمَا يسري إِلَيْهِ من تِلْكَ الْقُوَّة فالاثنان يؤديان قُوَّة الْوَاحِد إِلَى الثَّلَاثَة والاثنان وَالثَّلَاثَة يؤديان قوته إِلَى الْأَرْبَعَة والاثنان وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة تُؤدِّي قوته إِلَى الْخَمْسَة وَهَكَذَا مَا زَاد بَالغا مَا بلغ
فَهَذِهِ كَيْفيَّة تنشؤ الْعدَد وتولده من الْوَاحِد
وَأما كَيْفيَّة انعطافه عَلَيْهِ كانعطاف أحد طرفِي الدائرة على الطّرف الآخر فَإِن ذَلِك لَا يكون إِلَّا بعد تولد الْأَعْدَاد مِنْهُ واستيفائها مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة الَّتِي عَلَيْهَا تَدور مَرَاتِب الْأَعْدَاد وَلَيْسَت للعدد بعد التِّسْعَة مرتبَة وَلَكِن كلما بلغ عدد إِلَى مرتبَة التِّسْعَة انعطف إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَصَارَ دَائِرَة وهمية
بَيَان ذَلِك أَن الْوَاحِد ينشأ مِنْهُ الِاثْنَان وَتُؤَدِّي الِاثْنَان قوته إِلَى الثَّلَاثَة فَيكون الثَّلَاثَة من الْوَاحِد بِوَاسِطَة الِاثْنَيْنِ وَكِلَاهُمَا عِلّة لوُجُود الثَّلَاثَة غير أَن الِاثْنَيْنِ عِلّة قريبَة وَالْوَاحد عِلّة بعيدَة ثمَّ تُؤدِّي
[ ٧٧ ]
الثَّلَاثَة مَا سرى إِلَيْهَا من قُوَّة الِاثْنَيْنِ وَقُوَّة وَالْوَاحد إِلَى الْأَرْبَعَة فَتكون الْأَرْبَعَة من الْوَاحِد بوساطة الثَّلَاثَة والاثنين فَيكون لوُجُود الْأَرْبَعَة ثَلَاث علل ثمَّ يسْتَمر الْأَمر كَذَلِك إِلَى أَن تكون التِّسْعَة بِمَا يسري إِلَيْهَا من قُوَّة الْوَاحِد بوساطة الثَّمَانِية
ومنتهى مَرَاتِب الْعدَد التسع عِنْد وجود التِّسْعَة فَإِذا تجاوزت قُوَّة الْوَاحِد التِّسْعَة كونت الْعشْرَة بتجاوز قُوَّة الْوَاحِد إِلَيْهَا مَعَ قُوَّة التِّسْعَة واستدار الْعدَد دوائر وهمية إِلَى مرتبَة الْوَاحِد لكَمَال الْمَرَاتِب فَكَانَت عشرَة كواحد وَعِشْرُونَ كاثنين وَثَلَاثُونَ كثلاثة إِلَى أَن تكون تسعون كتسعة وَتسَمى هَذِه دوائر العشرات ثمَّ تزيد على التسعين تِسْعَة لتقوم طبيعة الْعشْرَة الَّتِي بهَا يَصح وجود المئة فَيصير الْعدَد تِسْعَة وَتِسْعين
فَإِذا تجاوزت قُوَّة الْوَاحِد السارية فِي الْأَعْدَاد التِّسْعَة وَالتسْعين قَامَت طبيعة المئة بِمَا انْتهى إِلَيْهَا من قُوَّة الْوَاحِد وقوى التِّسْعَة وَالتسْعين واستدار الْعدَد استدارة وهمية إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَتكون مئة كواحد
[ ٧٨ ]
ومئتان كاثنين وَثَلَاث مئة كثلاثة وَأَرْبع مئة كأربعة إِلَى أَن تصير تسع مئة كتسعة
وَتسَمى هَذِه دوائر المئين فَإِذا بلغ الْعدَد تسع مئة كملت مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة فتزيد عَلَيْهَا تِسْعَة وَتِسْعين لتقوم بهَا طبيعة المئة فيجتمع لذَلِك تسع مئة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ
فَإِذا تجاوزت قُوَّة الْوَاحِد السارية فِي الْأَعْدَاد هَذَا الْعدَد يكون الْألف بِمَا سرى إِلَيْهِ من قُوَّة الْوَاحِد وقوى الْأَعْدَاد الَّتِي بَينه وَبَينه واستدار الْعدَد استدارة وهمية فَرجع إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَيكون ألف كواحد وَأَلْفَانِ كاثنين وَثَلَاثَة آلَاف كثلاثة إِلَى أَن تصير تِسْعَة آلَاف كتسعة وَتسَمى هَذِه دوائر الآلاف
وَهَكَذَا أبدا تنمي الْأَعْدَاد بِمَا يسري إِلَيْهَا من قُوَّة الْوَاحِد بوساطة
[ ٧٩ ]
الْأَعْدَاد الَّتِي قبلهَا وَيكون كل عدد سبق وجوده عِلّة علية لما تَأَخّر وجوده فَيكون لما بَعدت مرتبته عَن مرتبَة الْوَاحِد علل كَثِيرَة كل وَاحِد مِنْهَا عِلّة لوُجُوده وَيصير الْوَاحِد عِلّة الْعِلَل وَسبب الْأَسْبَاب
وَكلما كملت مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة اسْتَدَارَ الْعدَد إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَصَارَت مِنْهُ دوائر وهمية
وعَلى مِقْدَار بعد ذَلِك الْعدَد من الْوَاحِد يكون عظم دائرته وصغرها فَاعْتبر ذَلِك تَجدهُ على مَا قُلْنَاهُ
وَلأَهل الْهِنْد وَغَيرهم فِي هَذِه الدَّوَائِر العددية رموز وألغاز طوي عَن النَّاس علمهَا إِذْ كَانَت إذهان الْجُمْهُور تنبو عَن فهمها وعقولهم تقصر عَن علمهَا ويرون أَن فِي معرفَة تنشؤ الْعدَد من الْوَاحِد ونسبته إِلَيْهِ وانعطافه عَلَيْهِ وَكَمَال مَرَاتِب الْأَعْدَاد التِّسْعَة عَلَيْهِ معرفَة الْعَالم وَكَيف وجد عَن البارئ تَعَالَى
[ ٨٠ ]
قَالُوا وَلَيْسَ يُمكن الْإِنْسَان أَن يعلم حُدُوث الموجودات وانبعاثها عَن البارئ تَعَالَى بطرِيق أقرب من طَرِيق الْعدَد
وَقد علم البارئ ﷻ أَن الْعُقَلَاء المستعدين بفطرهم الشَّرِيفَة لقبُول الْحِكْمَة سيفكرون فِي حُدُوث الموجودات عَنهُ فَلَا يقدرُونَ على تصور ذَلِك لِأَن الْإِنْسَان لَا يُمكنهُ أَن يتَصَوَّر حُدُوث شَيْء إِلَّا من هيولى وَفِي زمَان وَفِي مَكَان وبحركة وآلات وأدوات وَوُجُود الموجودات عَن البارئ تَعَالَى لَيْسَ هَكَذَا لِأَن الْأَشْيَاء كلهَا محدثة مبدعة حدثت كلهَا مَعًا فَجعل البارئ ﷿ لمعْرِفَة ذَلِك طَرِيقا أسهل من هَذِه الطَّرِيق وَهُوَ الِاعْتِبَار بنشء الْعدَد من الْوَاحِد
[ ٨١ ]
فَكَمَا أَن الْوَاحِد عِلّة لوُجُود الْعدَد وَلَيْسَ من الْعدَد فَكَذَلِك البارئ ﷻ عِلّة لوُجُود الْعَالم وَلَيْسَ من الْعَالم
وكما أَن الْوَاحِد لَو توهم ارتفاعه وَعَدَمه لارتفعت الْأَعْدَاد كلهَا وعدمت فَكَذَلِك البارئ تَعَالَى لَو ارْتَفع وَعدم لم يكن شَيْء مَوْجُودا
وكما أَن الْأَعْدَاد كلهَا لَو ارْتَفَعت لم يُوجب ارتفاعها عدم الْوَاحِد كَذَلِك الموجودات كلهَا لَو ارْتَفَعت لم يُوجب ذَلِك ارْتِفَاع البارئ تَعَالَى
فَثَبت بِهَذَا أَن البارئ ﷿ غَنِي عَن الْعَالم والعالم مفتقر إِلَيْهِ
وكما أَن وجود الْوَاحِد وجود مُطلق أَعنِي أَنه لَا يحْتَاج فِي وجوده إِلَى غَيره وَوُجُود الْأَعْدَاد كلهَا وجود مُضَاف أَعنِي أَنَّهَا غير مُسْتَقلَّة بأنفسها فِي وجودهَا لِأَن وجودهَا بِوُجُود الْوَاحِد وَكَذَلِكَ البارئ تَعَالَى وجود مُطلق لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج فِي وجوده إِلَى غَيره وَوُجُود الموجودات كلهَا وجود مُضَاف لِأَن وجودهَا مقتبس من وجوده فائض عَنهُ
وكما أَن الْأَعْدَاد كلهَا اقتبست الْوُجُود من الْوَاحِد من غير حَرَكَة وَلَا زمَان وَلَا مَكَان وَلم يحْتَج الْوَاحِد فِي إيجادها إِلَى شَيْء آخر غير ذَاته
[ ٨٢ ]
فَكَذَلِك حُدُوث الموجودات عَن البارئ تَعَالَى بِغَيْر حَرَكَة وَبِغير زمَان وَبِغير مَكَان وَبِغير أدوات وَمن غير أَن يحْتَاج فِي إيجادها إِلَى شَيْء غَيره
وكما أَن الْوَاحِد يُوصف بِأَنَّهُ تقدم الْأَعْدَاد بِالزَّمَانِ وَلَا يبطل ذَلِك بِأَن تكون الْأَعْدَاد محدثة عَنهُ كَذَلِك لَا يُوصف البارئ بِأَنَّهُ تقدم الْعَالم بِالزَّمَانِ وَلَا يبطل ذَلِك أَن يكون الْعَالم مُحدثا عَنهُ
وكما أَن الْوَاحِد لم يتَغَيَّر عَن وحدانيته بِكَثْرَة مَا حدث من الْأَعْدَاد عَنهُ وَلم يُوجب ذَلِك تكثرا فِي ذَاته وَلَا اسْتِحَالَة فِي جوهره فَكَذَلِك حُدُوث الْعَالم على كثرته لم يُوجب تغير الْبَارِي تَعَالَى عَن وحدانيته وَلَا تكثرا فِي ذَاته تَعَالَى الله عَن صِفَات النَّقْص
وكما أَن الْأَعْدَاد تُوجد عَن الْوَاحِد بتوسط الْآحَاد التِّسْعَة وَمَا يجْتَمع فِي الْعشْرَة من قواها كَذَلِك وجدت الموجودات عَن البارئ تَعَالَى بوساطة الثواني التِّسْعَة وَمَا اجْتمع فِي الْمَوْجُود الْعَاشِر من القوى
[ ٨٣ ]
السارية إِلَيْهِ من الثواني وَمَا فاض عَلَيْهِ من قُوَّة الوحدانية بوساطتها
وَكَذَلِكَ إِذا اعْتبر الْمُعْتَبر وفكر المفكر وجد كل شَيْء من الموجودات إِنَّمَا حصل مَوْجُودا بِأَن صَارَت لَهُ ذَات يُوجد بهَا وانفصل من غَيره
وَتلك الْوحدَة الَّتِي تهوى بهَا وتوحد إِنَّمَا سرت إِلَيْهِ من البارئ تَعَالَى بوساطة مَا بَينه وَبَينه من الموجودات وَتلك الْوحدَة هِيَ هويته وَصورته الَّتِي بهَا قوامه وتميزه عَن سواهُ فَمَتَى فارقته تِلْكَ الْوحدَة عدم
فسريان الْوحدَة من البارئ تَعَالَى إِلَى الْأَشْيَاء هُوَ الَّذِي كَونهَا وَاقْتضى وجودهَا على مراتبها وصير بَعْضهَا عللا لبَعض وَهُوَ تَعَالَى عِلّة وجود الْجَمِيع وَلذَلِك سموهُ عِلّة الْعِلَل وَالْفَاعِل الْمُطلق وَالْفَاعِل بِالْحَقِيقَةِ لِأَن فعل غَيره إِنَّمَا هُوَ فعل بالمجاز وبالإضافة لِأَنَّهُ
[ ٨٤ ]
يقبل الْفِعْل عَمَّا هُوَ أسبق مِنْهُ وجودا ويؤديه إِلَى مَا بعده فَهُوَ منفعل لما فَوْقه وفاعل لما دونه وَهُوَ منفعل بِالْحَقِيقَةِ فَاعل بالمجاز وَالْإِضَافَة فَيكون مبدأ الْأَفْعَال من فَاعل لَا ينفعل كَغَيْرِهِ الْبَتَّةَ ومنتهاها إِلَى منفعل لَا يفعل الْبَتَّةَ وَمَا بَينهمَا فَاعل فِيمَا دونه منفعل لما فَوْقه
وَلما ذَكرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب قَالَت الْحُكَمَاء إِن البارئ تَعَالَى مَعَ كل شَيْء
وَإِنَّمَا أَرَادوا بذلك وجود آثَار صَنعته فِي الموجودات وسريان الْوحدَة مِنْهُ الَّتِي بهَا تكونت المحدثات وَلم يُرِيدُوا بذلك أَنه يحل الْأَمْكِنَة وَيَقَع تَحت الْأَزْمِنَة المحدثات أَو يلتبس بِشَيْء من الْعَالم تقدس عَن ذَلِك وَعلا علوا كَبِيرا
وَقد غلط قوم من الفلاسفة فِي هَذَا الْموضع غَلطا فَاحِشا فزعموا أَن البارئ تَعَالَى عَن قَوْلهم سيالة فِي الْعَالم وَلِهَذَا قَالَ ثالس
[ ٨٥ ]
إِن الله ناشب فِي الْأَشْيَاء
وَقَالَ زينون إِن كره الْعَالم هُوَ الله تَعَالَى وَأَن الْمَعْلُول هُوَ الْعلَّة
وَإِنَّمَا حملهمْ على هَذِه الآراء الْفَاسِدَة مَا رَأَوْهُ من سريان الْوحدَة فِي الموجودات وَأَن وجود كل شَيْء مُتَعَلق بِوُجُود البارئ تَعَالَى وسمعوا مَعَ
[ ٨٦ ]
هَذَا قَول القدماء من الْحُكَمَاء إِن الله تَعَالَى مَعَ كل شَيْء فتنتج لَهُم من ذَلِك هَذَا التَّوَهُّم الْخَبيث وَلم يفكروا فِي أَن ذَلِك يقودهم إِلَى الْمحَال لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ البارئ تَعَالَى مَحْمُولا فِي غَيره لِأَن كل صُورَة مفتقرة إِلَى مَوْضُوع يحملهَا وَيلْزم من ذَلِك أَن يكون الْعَالم قَدِيما وَتبطل دَلَائِل الْحُدُوث وَيلْزم مِنْهُ أَن يكون البارئ تَعَالَى وَاقعا تَحت الْأَزْمِنَة محلا فِي الْأَمْكِنَة فِي اسْتِحَالَة دائمة لِأَن من شَأْن الهيولى أَن يلبس الصُّورَة تَارَة ويخلعها تَارَة وَأَن يكون البارئ تَعَالَى شخصا تَارَة وَتارَة نوعا وَتارَة جِنْسا وَتارَة فصلا وَتارَة فَاعِلا وَتارَة منفعلا
وَشبه هَذَا من الْمحَال نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان
وَمثل هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يعدون فِي سخفاء الفلاسفة لَا فِي عقلائهم وَفِي
[ ٨٧ ]
جهالهم لَا فِي عُلَمَائهمْ
وَقد أجمع العارفون بِاللَّه ﷿ أَن الله تَعَالَى مباين للْعَالم من جَمِيع الْجِهَات لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء مباينة لَا تَقْتَضِي تحيزا بمَكَان وانفصالا وَأَنه مَوْجُود مَعَ كل شَيْء وجودا لَا يَقْتَضِي ممازجة واتصالا بل صفة مباينة وَصفته صفة لَا تحيط بهَا الْعُقُول وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك بِمَا يدل عَلَيْهِ الدَّلِيل من غير تَصْوِير وَلَا تَمْثِيل كَسَائِر صِفَاته الَّتِي تثبت وَلَا تكيف
وَقد رد أرسطاطاليس كل قَول من هَذِه الْأَقْوَال وَأنْكرهُ وضلل قَائِله وكفره
فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ أنكر هَذِه الْأَقْوَال وَكفر من قَالَهَا وَهُوَ قد قَالَ فِي كِتَابه المرسوم ب (مَا بعد الطبيعة) إِن البارئ تَعَالَى عِلّة
[ ٨٨ ]
للْعَالم على معنى أَنه فَاعل لَهُ وَأَنه غَايَة لَهُ وَأَنه صُورَة لَهُ
فَالْجَوَاب أَنه لم يرد مَا توهمته وَكَيف يَصح أَن يُنكر شَيْئا وَيَقُول بِمثلِهِ وَقد صرح بِأَن البارئ سُبْحَانَهُ لَا يُوصف بالصورة الشخصية وَلَا بالصورة النوعية وَلَا بِصفة يلْحقهُ بهَا نقص تَعَالَى عَن ذَلِك وَأَنه مباين للأشياء غير مَوْصُوف بصفاتها فَثَبت بِهَذَا أَنه إِنَّمَا وَصفه بِأَنَّهُ صُورَة للْعَالم بِمَعْنى لَا يلْحقهُ بِهِ نقص وَلَا شبه كَمَا يُسمى حَيا وعالما وقادرا وَنَحْو ذَلِك على معَان لَا توجب شبها وَلَا تَقْتَضِي نقصا وَذَلِكَ على ثَلَاثَة معَان