خَواص هَذِه النَّفس الشَّرِيفَة تلقي الْوَحْي والإلهام والاتصال بِالْعقلِ الفعال وتقويم سَائِر النُّفُوس المنحرفة عَن الْحق وتسديد الْإِنْسَان حَتَّى يفعل مَا يَنْبَغِي على الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي من الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي من أجل مَا يَنْبَغِي فِي الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي وإكمال الْفطر النَّاقِصَة بِوَضْع السّنَن والوعظ والتذكير وَالتَّرْغِيب والترهيب والإخبار بالأشياء الَّتِي لَيست فِي قُوَّة النَّفس الفلسفية أَن تعلمهَا لِأَن النَّفس الفلسفية إِنَّمَا تتعاطى النّظر فِي الكليات خَاصَّة وَلذَلِك قَالَ أفلاطون
نَحن عاجزون عَن فهم مَا جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع وَإِنَّمَا نعلم من ذَلِك يَسِيرا ونجهل كثيرا وَلذَلِك كَانَ أرسطو يَأْمُرنَا بِالتَّسْلِيمِ لما جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع ويأمرنا بتأديب من تعرض لتعليل أوامرها ونواهيها وتعاطي الْخَوْض فِيهَا
[ ٥٤ ]
وَهَذِه النَّفس أشرف النُّفُوس الَّتِي فِي عَالم الْأَركان وأعلاها وَهِي السائسة الْمُدبرَة لسياسة النُّفُوس وَلَا يتَّفق أَن تُوجد هَذِه النَّفس الشَّرِيفَة إِلَّا فِي ذَوي الْفطر الْكَامِلَة
وَهَذِه النَّفس لَا تحْتَاج إِلَى اكْتِسَاب المعارف والعلوم بالمقاييس والمقدمات كَمَا تحْتَاج النَّفس الفلسفية لِأَن المقاييس العلمية إِنَّمَا هِيَ قوانين وَضعهَا ذَوُو الْفطر الْكَامِلَة تسديدا وتقويما لِذَوي الْفطر النَّاقِصَة
فَإِذا اتّفق للْإنْسَان فِي أصل مولده أَن يعْطى فطْرَة كَامِلَة اسْتغنى عَن تِلْكَ المقاييس وَوجد الْأُمُور الْعَقْلِيَّة كَأَنَّهَا مصورة فِي نَفسه
وكما أَنا نجد فِي الْفطر الإنسانية فطرا فِي نِهَايَة النَّقْص قريبَة من فطر الْبَهَائِم كَذَلِك لَا محَالة أَن نجد فِيهَا فطرا فِي نِهَايَة الْكَمَال قريبَة من فطر الْمَلَائِكَة فَتكون هَذِه الْفِكر لَا تحْتَاج إِلَى تَقْوِيم بالمقاييس العلمية كَمَا لَا تحْتَاج الْمَلَائِكَة بل يكفيها أقل إِشَارَة وأيسر عبارَة وَيكون الله ﵎ قد أكمل هَذِه الْفطر فِي أصل خلقتها لتسوس الْعَالم بوساطتها
[ ٥٥ ]
وَهَذَا يُوجب أَن تكون النُّبُوَّة إلهاما لَا اكتسابا