أما قَوْلهم إِن البارئ تَعَالَى لَا يعلم إِلَّا نَفسه فَيحْتَمل أَرْبَعَة معَان يقرب بَعْضهَا من بعض
أَحدهَا أَن الْوُجُود نَوْعَانِ وجود مُطلق وَوُجُود مُضَاف فالوجود الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَا يفْتَقر إِلَى موجد وَلَا هُوَ مَعْلُول لعِلَّة هِيَ أقدم مِنْهُ والوجود الْمُضَاف هُوَ الَّذِي يفْتَقر إِلَى موجد كَانَ عِلّة لَهُ
فالوجود الْمُطلق هُوَ الَّذِي يُوصف بِهِ البارئ ﷻ لِأَنَّهُ الْمَوْجُود الْمُطلق الَّذِي لَا عِلّة لوُجُوده
والوجود الْمُضَاف هُوَ الَّذِي يُوصف بِهِ سواهُ من الموجودات لِأَن وجود كل مَوْجُود مقتبس من وجوده وتابع لَهُ ومتعلق بِهِ حَتَّى إِنَّه لَو توهم ارْتِفَاع وجوده تَعَالَى لارتفع وجود كل شَيْء
[ ١٠٨ ]
وَلأَجل هَذَا شبهوا وجود الْأَشْيَاء عَنهُ بِوُجُود نور الشَّمْس عَن الشَّمْس لِأَن الشَّمْس إِذا ذهبت ذهب نورها وَلم يُرِيدُوا بِهَذَا الْكَلَام تشبيهه بالشمس على الْحَقِيقَة لِأَن البارئ يتعالى عَن أَن يكون لَهُ نَظِير وَإِنَّمَا أَرَادوا بِهَذَا تَمْثِيل افتقار الموجودات إِلَى وجوده على جِهَة التَّقْرِيب من الأفهام
كَمَا قَالُوا أَيْضا إِن وجود الموجودات عَنهُ كوجود الْكَلَام من الْمُتَكَلّم لَا كوجود الدَّار من الْبناء لِأَن الدَّار يُمكن أَن تُوجد مَعَ عدم الْبناء وَلَا يُمكن أَن يُوجد شَيْء إِلَّا بِوُجُود البارئ تَعَالَى
فَلَمَّا كَانَ البارئ تَعَالَى هُوَ الْمَوْجُود الصَّحِيح الْوُجُود كَانَ وجود غَيره لاحقا بِوُجُودِهِ وتابعا لَهُ وَلم يكن فِي الْوُجُود إِلَّا هُوَ فِي مصنوعاته صَار الْوُجُود من هَذِه الْجِهَة كَأَنَّهُ مَوْجُود وَاحِد والمعلوم كَأَنَّهُ مَعْلُوم وَاحِد وَصَارَ إِذا علم نَفسه فقد علم كل وجود تَابع لوُجُوده
[ ١٠٩ ]