وَقد احْتج من زعم أَن الله تَعَالَى لَا يعلم الْأَشْيَاء بِأَن قَالَ إِنَّمَا اسْتَحَالَ أَن يُوصف بِأَنَّهُ يعلم الْأَشْيَاء لِأَن الْعلم بالأشياء يحْتَاج فِيهِ إِلَى إِدْرَاك الْحَواس وَتَقْدِيم الْمُقدمَات الَّتِي بهَا يتَوَصَّل إِلَى معرفَة الكليات من الجزئيات وَفِيه كَمَال الْعَالم وَيحْتَاج فِيهِ إِلَى تصور وتخيل والبارئ سُبْحَانَهُ يجل عَن أَن يُوصف بِأَنَّهُ يتَصَوَّر شَيْئا أَو يتخيله أَو أَنه ذُو حواس يتَوَصَّل بهَا إِلَى معرفَة شَيْء أَو يحْتَاج إِلَى مُقَدمَات وَأَن غَيره يفِيدهُ كمالا فِي ذَاته بل هُوَ الْمُفِيد الْكَمَال لكل كَامِل على مِقْدَار مرتبته وَهُوَ غَنِي عَن غَيره وَغَيره مفتقر إِلَيْهِ فَفِي وَصفنَا لَهُ بِأَنَّهُ يعلم غَيره نقص لَهُ لَا كَمَال
وجوابنا عَن هَذَا هُوَ أَن نقُول لَهُم
هَل تَزْعُمُونَ أَن البارئ تَعَالَى يشبه الْبشر فِي ذَاته وَصِفَاته أم هُوَ مُخَالف لَهُم فَإِن زَعَمُوا أَنه مشبه لَهُم بِالذَّاتِ وَالصِّفَات أَو فِي بعض ذَلِك لزم أَن يلْحقهُ من النَّقْص مَا يلْحق الْبشر وَأَن يلْزمه من الْحُدُوث مَا يلْزم سَائِر الْأَشْيَاء
[ ١١٨ ]
وَإِن قَالُوا إِنَّه مُخَالف للبشر لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء قُلْنَا لَهُم من أَيْن قستم علمه على علمكُم وأوجبتم أَنه إِن كَانَ عَالما لزم أَن يعلم باستنباط ومقدمات وَاحْتَاجَ إِلَى حواس
وَمَا تنكرون من أَن يكون يعلم الْأَشْيَاء بِنَوْع آخر من الْعلم لَا يكيف وَلَا يشبه علم الْبشر
وَمَا الَّذِي تبطلون بِهِ هَذَا فَإِن قَالُوا لَا يعقل علم إِلَّا بِهَذِهِ الطّرق لَزِمَهُم تَشْبِيه البارئ تَعَالَى بمخلوقاته وَقُلْنَا لَهُم من أَيْن زعمتم أَنه عَالم وَأَنه علم وَأَنه مَعْلُوم شَيْء وَاحِد لَا تغاير فِيهِ وَكَذَلِكَ أَنه عَاقل وَأَنه عقل وَأَنه مَعْقُول شَيْء وَاحِد من صِفَاته وَهَذَا أَمر غير مَعْقُول فِيمَا نعهده من أَنْفُسنَا
وَيُقَال لَهُم كَذَلِك لَا نعقل مَوْجُودا إِلَّا أَن يكون جوهرا حَامِلا للأعراض أَو عرضا مَحْمُولا فِي جَوْهَر فاحكموا على البارئ تَعَالَى وَجل أَنه جَوْهَر من جنس الْجَوَاهِر المعقولة وَلَا فرق
وَيُقَال لمن زعم مِنْهُم أَنه يعلم الكليات وَلَا يعلم الجزئيات من أَيْن فرقتم بَين الْأَمريْنِ
[ ١١٩ ]
فَإِن قَالُوا لِأَن الجزيئات تدخل تَحت الزَّمَان وتتغير بتغيره وَيحْتَاج فِي مَعْرفَتهَا إِلَى الْحَواس
وجوابنا عَن هَذَا أَن نقُول
ألستم تعلمُونَ أَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يعلم الكليات بمشاهدة الجزئيات الْوَاقِعَة تَحت الزَّمَان وَالِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا بالمقدمات الغريزيات فَهَل تَزْعُمُونَ أَن الله تَعَالَى يدْرك الكليات بِهَذَا السَّبِيل
فَإِن قَالُوا نعم شبهوه بالبشر وَقُلْنَا لَهُم إِذا جَازَ عنْدكُمْ أَن يشبه الْبشر فِي علم الكليات فَمَا الَّذِي يمنعهُ أَن يشبههم فِي علم الجزيئات
وَإِن قَالُوا لَا يجوز أَن يعلم الكليات على نَحْو مَا يعلمهَا الْبشر وَإِنَّمَا يعملها بِنَوْع آخر من الْعلم لَا يكيف وَلَا يشبه علم الْبشر قُلْنَا فَمَا الْمَانِع أَن يعلم الجزيئات بِهَذَا الْعلم وَلَا فرق
وعمدة هَذَا الْبَاب وَغَيره من الْكَلَام فِي صِفَات الله تَعَالَى أَن تجْعَل اصلك أَن البارئ سُبْحَانَهُ لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء وتجتهد فِي أَن تعلم هَذِه الْجُمْلَة بالبراهين الْوَاضِحَة
[ ١٢٠ ]
فَإِذا تقررت فِي نَفسك سَقَطت عَنْك هَذِه الوساوس كلهَا لِأَن الَّذين غلطوا فِي هَذِه الْمعَانِي إِنَّمَا عرض لَهُم الْغَلَط لأَنهم يقيسون الله تَعَالَى بالبشر ويشبهون صِفَاته بصفاتهم
وَقد أَثْبَتَت شريعتنا الحنيفية الَّتِي شرفنا الله تَعَالَى بهَا أَن الله عَالم بكبير الْأَشْيَاء وصغيرها لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض وَأَنه ﴿يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور﴾ ﴿وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾
وَهَذِه صِفَات الْكَمَال الَّتِي تلِيق بِاللَّه تَعَالَى لَا مَا زَعمه هَؤُلَاءِ المبطلون
[ ١٢١ ]
وَقد ذكرنَا من كَلَام الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين مَا يُطَابق هَذَا الَّذِي ورد بِهِ شرعنا وَقد قلت فِي ذَلِك
(يَا واصفا ربه بِجَهْل لم تقدر الله حق قدره) // من مخلع الْبَسِيط //
(كَيفَ يفوت الْإِلَه علم بسر مخلوقه وجهره)
(وَهُوَ مُحِيط بِكُل شَيْء وَكلهَا كَائِن بأَمْره)
[ ١٢٢ ]
الْبَاب السَّابِع فِي إِقَامَة الْبَرَاهِين على أَن النَّفس الناطقة حَيَّة بعد مُفَارقَة الْجِسْم
النُّفُوس ثَلَاثَة
نباتية
وحيوانية
وناطقة
فَأَما النَّفس النباتية وَالنَّفس الحيوانية فَلَا نعلم خلافًا فِي عدمهَا بِعَدَمِ الْجِسْم وَإِنَّمَا وَقع الْخلاف فِي النَّفس الناطقة وَهِي الْعَاقِلَة المميزة فَزعم قوم أَنَّهَا تعدم عِنْد فراقها الْجِسْم كَعَدم النباتية والحيوانية
وَقَالَ قوم إِنَّهَا بَاقِيَة حَيَّة لَا عدم لَهَا وَهُوَ مَذْهَب سقراط وأرسطو وأفلاطون وَسَائِر زعماء الفلاسفة وعَلى ذَلِك تدل الشَّرَائِع كلهَا
[ ١٢٣ ]
وَأَنا أذكر جملَة من الْبَرَاهِين الفلسفية على بَقَائِهَا لِأَن الشَّرْعِيَّة لَا تلِيق بِهَذَا الْوَضع وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق