أَن الصُّورَة هِيَ غَايَة المصور وكماله لِأَن الشَّيْء إِذا كَانَ بِالْقُوَّةِ فَهُوَ على كَمَاله الأول فَإِذا خرج إِلَى الْفِعْل كَانَ على كَمَاله الآخر وَخُرُوجه من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل إِنَّمَا هُوَ بالصورة
فَلَمَّا كَانَ البارئ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أخرج الْعَالم من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل أَعنِي من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود صَار من هَذَا الْوَجْه كَأَنَّهُ صُورَة للْعَالم وَإِن كَانَ غير صُورَة على الْحَقِيقَة
وسترى كلامنا فِيمَا بعد هَذَا بِمَا يزِيد هَذَا الْمعَانِي وضوحا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٩٢ ]
الْبَاب الْخَامِس فِي شرح قَوْلهم إِن صِفَات البارئ تَعَالَى لَا يَصح أَن يُوصف بهَا إِلَّا على وَجه السَّلب
اعْلَم أَن الصِّفَات نَوْعَانِ
نوع يُوصف بِهِ الْمَوْصُوف لإِزَالَة اشْتِرَاك يكون بَينه وَبَين مَوْصُوف آخر كَقَوْلِك جَاءَنِي زيد والمخاطب يعرف رجلَيْنِ كل وَاحِد مِنْهُمَا يُسمى بِهَذَا الِاسْم أَو رجَالًا كل وَاحِد مِنْهُم لَهُ هَذَا الِاسْم فَيحْتَاج الْمخبر أَن يصفه بِصفة يمتاز بهَا عِنْد الْمُخَاطب مِمَّن يُشَارِكهُ فِي اسْمه
وَالنَّوْع الآخر لَا يُرَاد بِهِ إِزَالَة اشْتِرَاك وَلَكِن يُرَاد بِهِ مدح الْمَوْصُوف أَو ذمه والمخاطب غَنِي عَن أَن يُوصف لَهُ الْمَذْكُور كَقَوْل الْقَائِل رَأَيْت ابْنك النجيب وَلَيْسَ لمن تخاطبه إِلَّا ابْن وَاحِد وَنَحْو ذَلِك
وصفات البارئ ﷻ كلهَا من هَذَا النَّوْع الثَّانِي إِنَّمَا هِيَ صِفَات يمجده بهَا الواصفون ويثني عَلَيْهِ بهَا المثنون
[ ٩٣ ]
وَلما كَانَ البارئ ﷻ بَائِنا عَن جَمِيع الموجودات غير مشبه بِشَيْء من الْمَخْلُوقَات صَار المثني عَلَيْهِ مقصرا فِي ثنائه وَإِن اجْتهد غير بَالغ مَا يستوجبه وَإِن عظم ومجد
وَبَيَان ذَلِك أَن الْمَدْح ثَلَاثَة أَنْوَاع
إفراط
واقتصاد
وتقصير
فالإفراط أَن يرفع المادح الممدوح إِلَى مرتبَة أرفع من مرتبته ومنزلة أَعلَى من مَنْزِلَته
والاقتصاد أَن لَا يتَجَاوَز بِهِ مرتبته وَلَا يتخطى مَنْزِلَته
وَالتَّقْصِير أَن يحطه عَن مرتبته وَلَا يُوفيه حق مَنْزِلَته
فالوجهان الْأَوَّلَانِ محَال فِي وصف البارئ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يُمكن المادح أَن يمدحه بِمَا يسْتَحقّهُ ويستوجبه لِأَن مرتبته مَجْهُولَة الكنه لَا تحيط بهَا الْعُقُول وَلَيْسَ فَوق مرتبته مرتبَة أَعلَى مِنْهَا فيرفع
[ ٩٤ ]
إِلَيْهَا لِأَنَّهُ نِهَايَة الْأَشْيَاء وغايتها فَلَيْسَ فِي مدح المادح لَهُ إفراط وَلَا اقتصاد وكل مادح لَهُ مقصر فِي مدحه غير واصف لَهُ بِالْوَاجِبِ من حَقه لِأَنَّهُ يصفه بِصِفَات الْمَعْقُول مِنْهَا معَان مُخَالفَة لما هُوَ عَلَيْهِ فَإِذا قَالَ إِنَّه حَيّ وَإنَّهُ عَالم وَإنَّهُ سميع وَإنَّهُ بَصِير فَإِنَّمَا يصفه بِصِفَات إِن حملت على تعلقه بِجُزْء مِنْهَا لم تلق بِهِ ﷿ وأوجبت شبهه بالمخلوقات تَعَالَى عَن ذَلِك
فلهذه الْعلَّة افترق النَّاس فِي وَصفه ﷻ فرْقَتَيْن فَقَالَت فرقة لَا تثبت لَهُ صفة على طَرِيق الْإِيجَاب لِأَن ذَلِك يُوجب شُبْهَة بخلقه وَلَكِن تسلب عَنهُ أضداد هَذِه الصِّفَات فَلَا نقُول عَنهُ عَالم وَلَكِن نقُول لَيْسَ بجاهل وَلَا نقُول هُوَ قَادر وَلَكِن لَيْسَ بعاجز وَلَا نقُول هُوَ مَوْجُود وَلَكِن لَيْسَ بمعدوم
وَقَالَت فرقة ثَانِيَة نوجب لَهُ الصِّفَات ونتبعها حرف السَّلب لنزيل مَا توهم فِيهِ من التَّشْبِيه بالمخلوقين فَنَقُول هُوَ حَيّ لَا كالأحياء وعالم لَا كالعلماء وموجود لَا كالموجودات
[ ٩٥ ]
قَالُوا وَإِذا قُلْنَا هُوَ حَيّ وموجود وعالم وقادر وَلم نذْكر حرف السَّلب فَإِنَّمَا نَتْرُك ذَاك اختصارا وَلَا بُد من أَن يكون مضمنا فِي الصّفة وَإِن لم يكن مضمنا فِيهَا لم تصح
فَإِن قَالَ قَائِل من أَيْن كرهت الْفرْقَة الأولى إِيجَاب الصّفة وأبوا أَن يصفوه إِلَّا على وَجه السَّلب وَقد علمنَا أَن قَول الْقَائِل زيد لَيْسَ بجاهل يُفِيد مَا يفِيدهُ قَوْلنَا زيد عَالم
فَالْجَوَاب أَن القَوْل الْمَنْفِيّ لَا يُوجب حكما غير حكم النَّفْي وَلَيْسَ يحصل مِنْهُ تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل يَقع بهما قِيَاس كَمَا يحصل من الْإِيجَاب أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت زيد غير قَائِم وَعَمْرو غير قَائِم فقد نفيت عَنْهُمَا جَمِيعًا الْقيام وَلم توجب لَهما اجتماعا فِي معنى آخر لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يكون أَحدهمَا قَاعِدا وَالْآخر نَائِما أَو مُضْطَجعا وَكِلَاهُمَا غير قَائِم
[ ٩٦ ]
وَكَذَلِكَ أَنا إِذا نَفينَا عَن نفسين الْبيَاض لم نوجب لَهما اجتماعا فِي لون آخر من حمرَة أَو صفرَة أَو سَواد أَو غير ذَلِك
وَكَذَلِكَ لَو شهد شَاهِدَانِ عِنْد حكم بِأَن زيدا لم يبع ضيعته من عمر وَلم يكن مُوجبا أَن عمرا لَا يملكهَا لِأَن للْملك وُجُوهًا كَثِيرَة غير البيع فَلَيْسَ فِي شَهَادَتهمَا أَكثر من نفي البيع وَهَذَا أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الأضداد الَّتِي بَينهمَا وسائط فَأَما الأضداد الَّتِي لَيْسَ بَينهمَا وسائط فَفِيهَا خلاف
فقوم يرَوْنَ أَن الْقَائِل إِذا قَالَ فِي الدَّار رجلَانِ أَحدهمَا لَيْسَ بحي فقد أوجب أَن الآخر حَيّ
وَقوم يرَوْنَ أَنه لم يُوجب أَكثر من موت الَّذِي نفى عَنهُ الْحَيَاة فَقَط
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَحدهمَا حَيّ فقد أوجب الْمَوْت للْآخر عِنْد من رأى الرَّأْي الأول وَلَيْسَ فِيهِ إِيجَاب موت الآخر على رَأْي من رأى الرَّأْي الثَّانِي
وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكر مَا احْتج بِهِ كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذَا
[ ٩٧ ]
الْموضع لِأَن ذَلِك لَيْسَ مِمَّا قصدناه وَإِنَّمَا قصدنا هَا هُنَا شرح معنى قَوْلهم إِن صِفَات البارئ ﷻ لَا تصح حَتَّى يقرن بهَا حرف السَّلب
بَاب ذكر الشّبَه الَّتِي اغْترَّ بهَا من زعم أَن صِفَات الله محدثة جلّ عَن ذَلِك
اعْلَم عصمنا الله وَإِيَّاك من الضَّلَالَة وأرانا سبل الْعلم والجهالة أَن مَا دَعَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَى هَذَا الِاعْتِقَاد الْخَبيث أَنهم رَأَوْا إِن إِثْبَات الصِّفَات لَا يَصح إِلَّا على وَجْهَيْن
أَحدهمَا الْعقل وَالنَّظَر
وَالْآخر السّمع وَالْبَصَر
[ ٩٨ ]
وَلَا طَرِيق إِلَى إِثْبَاتهَا إِلَّا من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَإِنَّمَا يَصح كل وَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ بِوُجُود المحدثات فَلَمَّا كَانَ البارئ تَعَالَى فِي الْقدَم قبل حُدُوث الْأَشْيَاء مُنْفَردا بالوجود وَلم يكن هُنَاكَ مَوْجُود يسْتَدلّ عَلَيْهِ بآثار مصنوعاته ويخاطبه هُوَ تَعَالَى بمشروعاته لم يكن حِينَئِذٍ مَوْصُوفا بِصفة لعدم المخاطبين والمعتبرين فَلَمَّا أحدث المودجودات وَقع حِينَئِذٍ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ ومخاطبته للبشر بِأَنَّهُ حَيّ وَبِأَنَّهُ عَالم وَبِأَنَّهُ قَادر وَنَحْو ذَلِك فوصف حِينَئِذٍ بِالصِّفَاتِ وَوصف نَفسه هُوَ بهَا فَصَارَت الصِّفَات محدثة بحدوث الموجودات
وَمن لَا يقر بالنبوات وَلَا يعْتَرف بِأَن الله بعث بشرا فالصفات على رَأْيه أُمُور أحدثها المخلوقون ثمَّ استدلوا عَلَيْهِ بآثار مصنوعاته واشتقوا لَهُ من أَفعاله وَمَا تقرر فِي نُفُوسهم من معرفَة صِفَات وصفوه بهَا
فَيُقَال لمن قَالَ بِهَذَا القَوْل الْفَاسِد هَذَا الَّذِي قلتموه لَا يبطل
[ ٩٩ ]
أَن يكون مَوْصُوفا بِالصِّفَاتِ النفسانية فِي الْأَزَل فَيكون عَالما قَادِرًا مرِيدا مَوْجُودا وَإِن لم يكن هُنَاكَ مَخْلُوق يسْتَدلّ أَو يُخَاطب وَلَيْسَ من جِهَة الشَّرْط فِي الصِّفَات النفسانية أَلا تثبت لموصوفها حَتَّى يُوجد من يصفه بهَا ويخاطب بِصِحَّتِهَا
وَإِنَّمَا حدث الْعلم للْعُلَمَاء من الْخلق باعتبارهم وبمخاطبة الله إيَّاهُم بعد أَن كَانُوا جُهَّالًا بِالصِّفَاتِ
وَأما الصِّفَات أَنْفسهَا فثابتة لَهُ تَعَالَى لَا يُبْطِلهَا جهل من جهلها كَمَا لَا يثبتها علم من علمهَا
وَيدل على صِحَة قَوْلنَا وَبطلَان قَوْلهم أَن الْكَاتِب لَا يبطل كِتَابَته عدم الْمَكْتُوب وَكَذَلِكَ الْبَانِي لَا يبطل صفته بالبنيان عدم الْمَبْنِيّ وَلَا يلْزم إِذا علمنَا الشَّيْء أَن يكون الْمَعْلُوم وَالْعلم مَعًا بِالزَّمَانِ وَلَكِن الْعَالم قد يعلم الشَّيْء الْمَوْجُود فِي وَقت علمه وَقد يُعلمهُ بعد مضيه وَيعلم أَنه سَيكون فِي الْوَقْت الَّذِي يجب أَن يكون فِيهِ
[ ١٠٠ ]
وَمن الدَّلِيل على فَسَاد مَا قَالُوهُ أَن من صِفَاته ﷿ مَا يتَعَلَّق بِالذَّاتِ كَقَوْلِنَا إِنَّه شَيْء وَإنَّهُ مَوْجُود وَإنَّهُ حَيّ فَيجب على هَذَا الرَّأْي الْفَاسِد أَن يكون البارئ تَعَالَى كَانَ فِي الْأَزَل قبل خلق الْأَشْيَاء غير شَيْء وَغير مَوْجُود وَغير حَيّ وَهَذَا يُوجب أَنه كَانَ مَعْدُوما ويلزمهم إِن كَانَت الصِّفَات محدثة مَعَ الْأَشْيَاء أَن يخبرونا من أحدثها لَهُ فَإِن كَانَ هُوَ الَّذِي أحدثها لنَفسِهِ فَكيف يَجْعَل نَفسه مَوْجُودا من هُوَ مَعْدُوم وشيئا من لَيْسَ بِشَيْء وَحيا من لَيْسَ بحي وَحقا من لَيْسَ بِحَق
وَإِن كَانَ غَيره أحدثها لَهُ لم يخل ذَلِك الْغَيْر أَن يكون إِلَهًا آخر غَيره
أَو يكون الْبشر هم الَّذين أحدثوها لَهُ
فَإِن كَانَ أحدثها لَهُ إِلَه آخر فَهُوَ أَحَق بِالْعبَادَة مِنْهُ
وَإِن كَانَ أحدثها الْبشر فَكيف يحدثونها لَهُ وَهُوَ الَّذِي أحدثهم
وَإِن جَازَ للمعدوم أَن يحدث مَوْجُودا فَمَا الَّذِي يُنكر من أَن يكون الْعَالم هُوَ الَّذِي أحدث نَفسه
[ ١٠١ ]
وَكَيف يحدث غَيره من هُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يحدث نَفسه
وَكَيف يَصح أَن يُوصف بالأزل من ذَاته وَصِفَاته محدثات
فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا أثبتم لَهُ تَعَالَى الصِّفَات فَهَل تَقولُونَ إِنَّهَا رَاجِعَة إِلَى الذَّات بِنَفسِهَا أم إِلَى معَان غير الذَّات
فَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا
أَنَّهَا ترجع إِلَى معَان غير الذَّات وَهُوَ قَول المجسمة وَهَذَا كفر بحت نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُم لأَنهم جعلُوا البارئ تَعَالَى حَامِلا ومحمولا وجوهرا تتَعَلَّق بِهِ الصِّفَات والأعراض تَعَالَى الله عَن قَوْلهم
وَالْوَجْه الثَّانِي
أَنَّهَا على اختلافها ترجع إِلَى الذَّات لَا إِلَى معنى غَيرهَا زَائِد عَلَيْهَا بِأَنَّهُ عَالم وَأَنه علم وَأَنه حَيّ وَأَنه حَيَاة ذَات وَاحِدَة لَا تغاير فِيهَا
[ ١٠٢ ]
وَكَذَلِكَ سَائِر صِفَات الذَّات
وَهَذَا قَول كبراء الفلاسفة وزعمائهم وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وداوود وَجَمَاعَة من عُلَمَاء الْمُسلمين
وَقَالَ قوم
لَا نقُول إِنَّهَا هُوَ وَلَا إِنَّهَا غَيره
فَاعْترضَ عَلَيْهِم من قَالَ إِنَّهَا غير زَائِدَة على الذَّات بِأَن قَالُوا لَيْسَ يعقل شَيْئَانِ لَيْسَ أَحدهمَا الآخر وَلَا هُوَ غَيره فَاعْترضَ عَلَيْهِم أَصْحَاب هَذَا القَوْل وَقَالُوا من أَيْن اسْتَحَالَ إِثْبَات شَيْئَيْنِ لَيْسَ أَحدهمَا الآخر وَلَا هُوَ غَيره فَإِن قُلْتُمْ لِأَن هَذَا خلاف الْمَعْهُود قُلْنَا لكم فَكيف جَازَ لكم أَن يكون الْعَالم هُوَ الْعلم والحياة هُوَ الْحَيّ والقادر هُوَ الْقُدْرَة وَهَذَا كُله خلاف الْمَعْهُود فَإِن جَازَ لكم هَذَا جَازَ لنا إِثْبَات شَيْئَيْنِ لَا يُقَال إِن أَحدهمَا هُوَ الآخر وَلَا هُوَ غَيره وَإِن كَانَ خلاف الْمَعْهُود
[ ١٠٣ ]
قَالُوا ونسألكم هَل يجب إِذا قَامَ الدَّلِيل على صِحَة شَيْء أَن يبطل إِذا لم يُوجد لَهُ نَظِير من الْمَعْهُود أم لَا فَإِن أوجبتم أَنه لَا يَصح إِثْبَات شَيْء حَتَّى يكون لَهُ نَظِير من الْمَعْهُود لزمكم أَن يبطل قَوْلكُم إِن الْعلم هُوَ الْعَالم والحياة هُوَ الْحَيّ على مَا قدمنَا ولزمكم أَلا تثبتوا شَيْئا لَيْسَ فِي زمَان وَلَا مَكَان وَلَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء لِأَنَّهُ كُله خلاف الْمَعْهُود
وَإِن وَجب أَن يثبت الشَّيْء إِذا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل من غير أَن يُوجد لَهُ نَظِير صَحَّ قَوْلنَا إِن صِفَات البارئ تَعَالَى وَجل لَا يُقَال إِنَّهَا هُوَ وَلَا إِنَّهَا غَيره كَمَا صَحَّ وَصفه بأَشْيَاء يُخَالف جَمِيعهَا الْمَعْهُود
قَالُوا فَإِن قَالَ لنا قَائِل فَمن أَيْن صححتم قَوْلكُم وأبطلتم قَول خصومكم من الْمُعْتَزلَة إِن الله عَالم بِلَا علم قَادر بِلَا قدرَة وَنَحْو ذَلِك وَقد اسْتَوَى قَوْلكُم وَقَوْلهمْ فِي أَنه خلاف الْمَعْهُود
فَالْجَوَاب أَنا إِنَّمَا قُلْنَا إِن قَوْلنَا هُوَ الصَّحِيح لِأَن قَوْلنَا مَبْنِيّ على أصل صَحِيح يجوز أَن يُوصف الله تَعَالَى بِهِ
[ ١٠٤ ]
وَقَوْلهمْ مَبْنِيّ على أصل فَاسد وَهُوَ أَن صِفَات الله محدثه وَهُوَ أَمر يُبطلهُ الشَّرْع وَالْعقل وَأَيْضًا فَإِن نُصُوص الشَّرْع تصحح قَوْلنَا وَتبطل قَوْلهم لِأَن الله تَعَالَى قد أثبت لنَفسِهِ علما فِي نَص الْقُرْآن
وتواترت الْأَخْبَار عَن النَّبِي ﷺ بِأَن لَهُ الْقُدْرَة وَإِرَادَة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا تقدر الْمُعْتَزلَة على دَفعه
وَإِنَّمَا فِي قَوْلنَا شُبْهَة عرضت وقفنا عِنْدهَا فَإِذا صَحَّ الأَصْل لم يتْرك لشُبْهَة تعرض فِي التَّفْرِيع وَأما قَوْلهم ففاسد الأَصْل والتفريع مَعًا
وَأما صِفَات الْأَفْعَال كخالق ورازق فَالْقَوْل فِيهَا أَن البارئ تَعَالَى لم يزل مَوْصُوفا بهَا لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يكون البارئ تَعَالَى فِي الْأَزَل غير خَالق وَغير رَازِق ثمَّ صَار كَذَلِك وَإِنَّمَا المحدثات الْخلق والرزق والمخلوق والمرزوق
فَإِن قيل هَذَا يُوجب عَلَيْكُم تقدم الْعَالم وَأَنه لم يزل مَوْجُودا مَعَه قُلْنَا لَا يُوجب ذَلِك لِأَن الصِّفَات فِي اللُّغَة يُوصف بهَا من
[ ١٠٥ ]
فعل فِيمَا مضى وَمن يفعل فِي الْحَال من هُوَ يُرِيد أَن يفعل فِي الْمُسْتَقْبل فَيُقَال إِنَّه ضَارب عَمْرو أمس وضارب عمرا الْآن وضارب عمرا غَدا وَهَذَا أشهر فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة من أَن يحْتَاج إِلَى شَاهد
[ ١٠٦ ]
الْبَاب السَّادِس فِي شرح قَوْلهم إِن البارئ تَعَالَى لَا يعلم إِلَّا نَفسه
هَذَا القَوْل عصمنا الله وَإِيَّاك من الزلل قد أوهم كثيرا من النَّاس أَنهم أَرَادوا بِهِ أَنه غير عَالم بِغَيْرِهِ
واستعظم قوم مِنْهُم أَن يصفوه بِهَذِهِ الصّفة فزعموا أَنه عَالم بالكليات غير عَالم بالجزيئات
وَزعم آخَرُونَ أَنه عَالم بِعلم الكليات والجزيئات بِعلم كلي
وَهَذَا القَوْل الثَّالِث أقرب أَقْوَالهم إِلَى الْحق وَإِن كَانَ فِيهِ مَوضِع للتعقب وَأما الْقَوْلَانِ الْآخرَانِ فقد اجْتمع فيهمَا الْخَطَأ الْفَاحِش وَالْجهل بِصِفَات البارئ ﷻ وَسُوء التأول لكَلَام القدماء من الفلاسفة
وَيجب علينا أَولا أَن نبين معنى قَول الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين إِن البارئ
[ ١٠٧ ]
تَعَالَى لَا يعلم إِلَّا نَفسه وَأَنَّهُمْ لم يُرِيدُوا بذلك أَنه جَاهِل بِغَيْرِهِ ونورد من كَلَامهم مَا يدل على براءتهم مِمَّا توهمه هَؤُلَاءِ عَلَيْهِم ثمَّ نناقضهم بعد ذَلِك فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق