(في تحريم الإفتاء والقضاء بالتقليد وبيان أن التمذهب بدعة وأن من عجز عن أخذ الحكم من الكتاب والسنة يجوز له أن يقلد عالما من علماء زمانه يسأله مشافهة عما جاء عن الله ورسوله في تلك المسألة ولا يلتزم شخصا بعينه ولا جماعة بأعيانها)
اعلم أيها الطالب للحق المتبرئ من الشرك والبدعة وأهلهما! أن الله أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا، لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فبلغ الرسالة ولم يخص بها أحدًا دون أحد وأدى الأمانة على أكمل وجه، وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه العدول الثقات الذين هم أغزر هذه الأمة علمًا، وأقومها سبيلًا، وأطهرها قلوبًا وأتقاها لله، اختارهم الله لصحبة نبيه وقال فيهم: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ (١)، وأمر كل من بعدهم
_________________
(١) آل عمران: ١١٠.
[ ٣٩ ]
باتباعهم فقال تعالى في سورة التوبة: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم﴾ (١) .
وقال تعالى حاثًا عباده على اتباع رسوله في سورة آل عمران: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ (٢) وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ إلى أن قال: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ (٣) وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى أكثر من أن تحصى.
ثم تحمل الرسالة بعد الصحابة الكرام التابعون، ورعوها
_________________
(١) التوبة: ١٠٠.
(٢) آل عمران: ٣١.
(٣) الأعراف: ١٥٦، ١٥٧.
(٤) الأعراف: ٣.
[ ٤٠ ]
حق رعايتها وكانوا أحق بها وأهلها، ثم حملها تابعوهم من الأئمة المجتهدين والحفاظ المبرزين نفوا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. ولم يكن في تلك القرون المفضلة تشدد في الدين، ولا تمذهب، ولا تحزب، ولا تعصب، بل كانوا عباد الله إخوانا، وعلى طاعته أعوانا، وكان العامي في تلك العصور إذا عنت له مسألة سأل من يصادفه من العلماء، فكان الواحد يسأل في مسألة أحد الخلفاء الراشدين، وفي الأخرى عبد الله بن عباس، وفي الثالثة عبد الله بن مسعود، وفي الرابعة عبد الله بن عمر وفي الخامسة جابر بن عبد الله. وهكذا ولم يتخذ أحد منهم رجلًا بعينه يخص بالسؤال والاتباع دون غيره كأنه نبي مرسل. حاشاهم من ذلك، وإنما حدث ذلك بعد القرون المفضلة أي في القرون المذمومة على لسان رسول الله ﷺ.
وسأذكر هنا نبذة يسيرة من البراهين التي تثلج الصدور وترفع الحجب والستور، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
الأول: كل من اتخذ رجلًا غير النبي ﷺ حجة يحلل به، ويحرم به، دون أن يسأله عن دليل ما أفتى به، تحسينًا للظن به، واعتقادًا منه أنه لا يخطئ حكم الله أبدًا، فقد اتخذ ذلك الشخص ربًا دون الله. وإليك برهانه: قال حافظ
[ ٤١ ]
المغرب الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري الذي شرح الموطأ ثلاثة شروح في كتابه جامع بيان العلم وفضله ما نصه: «قد ذم الله ﵎ التقليد في غير موضع في كتابه فقال: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾ (١») وروى عن حذيفة وغيره قالوا: «لم يعبدوهم من دون الله ولكن أحلوا وحرموا عليهم فاتبعوهم» .
قال عدي بن حاتم: «أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب فقال يا عدي ألق هذا الإثم من عنقك وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾ (٢) قال: قلت: يا رسول الله، إنا لم نتخذهم أربابًا. قال: بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه فقلت: بلى فقال: تلك عبادتهم» .
قال محمد تقي الدين: وروى الإمام ابن عبد البر آثارًا في هذا المعنى، وبيان ذلك أن الحكم الشرعي لا يجوز أن يكون لأحد إلا لله فهو كالصلاة والصيام وسائر العبادات فمن جعله لغير الله فقد أشرك وقال تعالى في سورة الشورى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ (٣) وقال
_________________
(١) التوبة: ٣١.
(٢) المرجع السابق.
(٣) الشورى: ٢١.
[ ٤٢ ]
تعالى في سورة المائدة: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرًا من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾ (١) وقال تعالى في سورة الشورى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ (٢) ولا حجة في قول أحد كائنًا من كان إلا في كلام الله وكلام رسوله لأنه معصوم. قال تعالى في سورة النجم: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ (٣) .
واعلم أن ما فرضه الله على أصحاب رسول الله ﷺ وسائر القرون المفضلة هو الذي فرضه الله على سائر المسلمين إلى يوم القيامة، وما ابتدع بعدهم في الدين فهو ضلال لا يقبله الله ولا يرضاه رسوله ﷺ أبدًا، فالتفرق إلى مذاهب وطرائق وشيع أو فرق كله ضلال وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
ثم قال الإمام ابن عبد البر في باب فساد التقليد «وقال ﷿: ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.
_________________
(١) المائدة: ٤٩، ٥٠.
(٢) الشورى: ١٠.
(٣) النجم: ٣، ٤.
[ ٤٣ ]
قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم﴾ فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء: ﴿فقالوا إنا بما أرسلتم به كافرون﴾ (١) وفي هؤلاء ومثلهم قال الله ﷿: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ (٢) وقال: ﴿إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتَبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ (٣) وقال ﷿ عائبًا لأهل الكفر وذامًا لهم: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين﴾ (٤) وقال: ﴿إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل﴾ (٥) ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء.
وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجل رجلًا فكفر وقلد آخر فأذنب، فقلد آخر
_________________
(١) الزخرف: ٢٣، ٢٤.
(٢) الأنفال: ٢٢.
(٣) البقرة: ١٦٦، ١٦٧.
(٤) الأنبياء: ٥٢، ٥٣.
(٥) الأحزاب: ٦٧.
[ ٤٤ ]
في مسألة دنياه فأخطأ، وجهها كان كل واحد ملومًا على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضًا وإن اختلفت الأنام فيه» .
ثم قال: «وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوت إبطال التقليد أيضًا. فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة، أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو بكر بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأخاف عليكم من زلة العالم، ومن حكم جائر ومن هوى متبع» . وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ أنه قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله»» .
ثم روى بسنده إلى عمر بن الخطاب قال: «ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون»، ثم روى بسنده إلى معاذ بن جبل قال: «الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنا: يكثر المال ويفتح القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والمرأة والصبي، والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن فيما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة
[ ٤٥ ]
الحكيم؟ قال: هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه؟ فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفئ وأن يراجع الحق، وأن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة. فحسن ابتغاؤهما ووجودهما» .
ثم بعد ذكر آثار عديدة عن الصحابة في هذا المعنى، قال الإمام أبو عمر ما نصه: «وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد أن يفتي أو يدين بقول لا يعرف وجهه» .
قال محمد تقي الدين: «المراد بالوجه، الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، فجميع المسائل التي موه بذكرها المفتون «البوعصامي» باطلة، لأنه لا يعرف دليلًا ولا يهتدي سبيلًا، ولا يحل له الإفتاء أبدًا وإلا كان داخلًا في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (١) .
ثم أنشد أبو عمر للحسين بن علي من أئمة آل البيت رضوان الله عليهم قال:
_________________
(١) الأعراف: ٣٣.
[ ٤٦ ]
تريد تنام على ذي الشبه
وعلك إن نمت لم تنتبه
فجاهد وقلد كتاب الإله
لتلقى الإله إذا مت به
فقد قلد الناس رهبانهم
وكل يجادل عن راهبه
وللحق مستنبط واحد
وكل يرى الحق في مذهبه
ففيما أرى عجب غير أن
بيان التفرق من أعجبه
ثم قال أبو عمر: «وثبت عن النبي ﷺ ما ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال: تذهب العلماء ثم يتخذ الناس رؤساء جهالا، يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون، وهذا كله نفي للتقليد لمن فهمه وهدي لرشده.
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد ابن عثمان وسعيد بن حمير قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان بن عيينة قال: «اضطجع ربيعة مقنعًا رأسه وبكى فقيل له ما يبكيك؟ فقال: رياء ظاهر وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم ائتمروا وقالوا لا تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره. وقال عبد الله بن المعتز: «لا فرق بين بهيمة تنقاد وبين إنسان يقلد» وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لا تتبين موقع الحجة لعدم الفهم لأن العلم درجات لا سبيل إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا الحائل بين العامة وبين طلب الحجة والله أعلم.
[ ٤٧ ]
ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١) وأجمعوا أن الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بمعرفته بالقبلة – إذا أشكلت عليه – فكذلك من لا علم ولا بصر له بمعنى ما يدين به، لا بد له من تقليد غيره، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك – والله أعلم – لجهلها بالمعاني التي فيها يجوز التحليل والتحريم، والقول في العلم.
وقد نظمت في التقليد وموضعه أبياتا رجوت في ذلك جزيل الأجر لما علمت أن من الناس من يسرع إلى حفظ المنظوم ويتعذر عليه المنثور وهي من قصيدة لي:
يا سائلي عن موضع التقليد خذ
واصغ إلى قولي ودن بنصيحتي
لا فرق بين مقلد وبهيمة
تبا لقاض أو لمفت لا يرى
فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ
ثم الصحابة عند عدمك سنة
وكذلك إجماع الذين يلونهم
إجماع أمتنا وقول نبينا
وكذا المدينة حجة إن أجمعوا
وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد
وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس
والشر ما فيه فديتك أسوة
من الجواب بفهم لب حاضر
واحفظ علي بوادري ونوادري
تنقاد بين جنادل ودعائر
عللا ومعنى للمقال السائر
مبعوث بالدين الحنيف الطاهر
فأولاك أهل نهى وأهل بصائر
من تابعيهم كابرا عن كابر
مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر
متتابعين أوائلا بأواخر
ومع الدليل فمل بفهم وافر
فرعا بفرع كالجهول الحائر
فانظر ولا تحفل بزلة ماهر
_________________
(١) الأنبياء: ٧.
[ ٤٨ ]
» .
ثم روى بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من أفتى بفتيا عن غير تثبت فإنما إثمها على من أفتاه» .
أقول: وهذا المفتون قد أفتى في صحيفته الكاذبة الخاطئة في مسائل كثيرة بدون تثبت ولا دليل فهو يتحمل إثمها. وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني رحمه الله تعالى: «يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: نعم. أبطل التقليد، لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد وإن قال: حكمت فيه بغير حجة قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال ﷿: ﴿إن عندكم من سلطان بهذا﴾ (١) أي من حجة بهذا قال: فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيرًا من العلماء، وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي، قيل له: إذا جاز لك تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك وجب عليك أن تقلد معلم معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم
_________________
(١) يونس: ٦٨.
[ ٤٩ ]
معلمه وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر وأقل علمًا ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علمًا؟ وهذا متناقض. فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك، قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك. ومن جهة أخرى أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمك ومقتضى هذا جعل الأصغر ومن يحدث صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ وكذلك الصحابي عنده يلزمه تقليد التابعي والتابعي لمن هو دونه، وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحًا وفسادًا» .
قال أبو عمر: «وقال أهل العلم والنظر: حد العلم: التبيين وإدراك المعلوم على ما هو عليه، فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا: والمقلد لا علم له ولم يختلفوا في ذلك. ومن ها هنا قال البحتري:
عرف العالمون فضلك بالعلـ ـم وقال الجهال بالتقليد
وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: «التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله
[ ٥٠ ]
عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبتت عليه حجة» وقال في وضع آخر من كتابه: «كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع»» .
تبرؤ الإمام مالك ﵀ من المقلدين المفترين عليه
قال الإمام ابن عبد البر في كتابه المذكور: «حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أبو عبد الله ابن محمد بن أحمد القاضي المالكي، حدثنا موسى بن إسحق، قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال أخبرنا معن بن عيسى قال سمعت مالك بن أنس يقول: «إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه» انتهى.
وقد كتب الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن قيم الجوزية في هذا المعنى، وهو الرد على المقلدين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، الكثير الطيب في كتابه «إعلام الموقعين» ومن أهم ذلك المناظرة العظيمة التي عقدها في المجلد الثاني بثمانين وجهًا. يكفي المؤمن الصادق إذا كان من أهل العلم وجه واحد
[ ٥١ ]
ليتوب إلى الله من تمذهبه وتعصبه، ويتبع كتاب الله وسنة رسوله، ولا يتسع المجال في هذه الرسالة المختصرة لذكر شئ من ذلك، غير أني أذكر عبارة من ذلك قليلة الألفاظ كثيرة المعاني. قال ﵀ وأجزل ثوابه: «يا لله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ومذاهب التابعين وتابعيهم إلا أربعة أنفس وهذه بدعة قبيحة» أ. هـ.
وقال الإمام صالح بن محمد بن نوح الفلاني في كتابه «إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار وتحذيرهم عن الابتداع الشائع في القرى والأمصار من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء الأعصار» بعد نقله ما مر من كلام ابن عبد البر وأكثر منه كلاما، ما نقله عن «سند بن عنان» شارح مدونة سحنون جاء فيه: «وأما التقليد فلا يرضاه رجل رشيد، ولسنا نقول إنه حرام على كل فرد بل نوجب معرفة الدليل، وأقاويل الرجال، ونوجب على العامي تقليد العالم» ثم قال «سند» بعد ذكره الخلاف في تقليد الميت ما نصه: «وإنما نقول نفس المقلد ليست على بصيرة، ولا يتصف من العلم بحقيقة، إذ ليس التقليد بطريق إلى العلم بوفاق أهل الآفاق، وإن نازعنا في ذلك برهانه فنقول: قال الله
[ ٥٢ ]
تعالى: ﴿فاحكم بين الناس بالحق﴾ (١) وقال: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٢) وقال: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (٣) وقال: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (٤) ومعلوم أن العلم هو معرفة المعلوم على ما هو به، فنقول للمقلد: إذا اختلفت الأقوال وتشعبت المذاهب من أين تعلم صحة قول من قلدته دون غيره، أو صحة قولة له على قولة أخرى، ولن يبدي كلامًا في قول إلا انعكس عليه في نقيضه، خاصة إذا عرض له ذلك في قولة لإمام مذهبه الذي قلده، وقولة تخالفها لبعض أئمة الصحابة» .
وقال الإمام الشاطبي في الاعتصام من جملة كلام طويل في رد التقليد ما نصه (ج٣، ص ٣٠١): «ومن معنى كلام مالك: ما كان كلامي موافقًا للكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه، هذا معنى كلامه دون لفظه» .
قال محمد تقي الدين: يرحم الله أبا إسحق ما أعظم ورعه فإنه لما لم يذكر لفظ مالك نبه على أنه رواه بالمعنى، ونص كلام مالك هو ما تقدم مسندًا من رواية ابن عبد البر، وعندي من النقول عن الأئمة ونصوص الكتاب والسنة في إبطال التقليد والتمذهب ما يضيق عنه الوقت فلذلك اكتفي بهذا القدر.
_________________
(١) ص: ٢٦.
(٢) النساء: ١٠٥.
(٣) الإسراء: ٣٦.
(٤) الأعراف: ٣٣.
[ ٥٣ ]