قال مالك في الموطأ: ««وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة» حدثني يحيى عن عبد الله بن أبي المخارق البصري أنه قال: «من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيل الفطر، وتأخير السحور» .
وحدثني عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهيل بن
[ ٦٥ ]
سعد أنه قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينهى عن ذلك»» . انتهى.
قال محمد تقي الدين: ألف الإمام مالك ﵀ كتاب الموطأ ودرسه ستين سنة وتواتر عنه كل ما فيه. فكل قول ينسب إليه خلاف ما في الموطأ فإما أن يتفق الرواة عنه لذلك القول وإما أن يختلفوا عنه، فإن اتفقوا وذلك محال فرواية الموطأ مقدمة على اتفاقهم، لأن رواته أكثر وأحفظ ولأنه كتبه بيده، وهو متواتر عنه. فيرد كل ما خالفه وأما إذا اختلفوا فلا يحل لأحد أن ينسب إليه شيئًا مما اختلفوا فيه إلا إذا عرف التاريخ. فحينئذ يمكنه أن ينسب إليه آخر القولين أو الأقوال وحينئذ تتعارض تلك الرواية مع ما في الموطأ إن كانت مخالفة له فتسقط، ويقدم عليها ما في الموطأ.
والآن نذكر ما قال الأئمة في المسألة:
عن وائل بن حجر أنه رأى النبي ﷺ «رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبر ثم التحف بثوبه، ثم وضع اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبر فركع، فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه» . رواه أحمد ومسلم.
وفي رواية لأحمد وأبي داود: «ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ
[ ٦٦ ]
والساعد» .
وعن ابن مسعود أنه «كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى» . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
قال الشوكاني في النيل: «جاء عن النبي ﷺ في وضع اليمنى على اليسرى عشرون حديثًا عن ثمانية عشر صحابيًا وتابعيًا» .
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «قال أبو عمر: «لم يرد فيه خلاف عن النبي ﷺ يعني لم يرو أحد عن النبي ﷺ سدل اليدين لا في حديث صحيح ولا ضعيف» .
قال صاحب كتاب «المتوني والبتار»: «فإن وضع اليمين على الشمال في الصلوات كلها فرضًا ونفلًا هو مذهب مالك وقوله الذي لم يقل غيره ولا نقل أحد عنه سواه وهو المذكور في الموطأ الذي ألفه بيده وقرئ عليه طول عمره ورواه عنه الآلاف من تلامذته وأصحابه، واستدل عليه بالحديث الصحيح الذي نقله عنه رواة الفقه وحملته من أصحابه المدنيين كمطرف بن عبد الله وعبد الملك ابن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشوني وعبد الله بن نافع المخزومي وأصحابه المصريين كأشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن عبد الحكم وأصحابه العراقيين كمحمد بن عمر الواقدي وغيره، وهو مقتضى رواية على بن زياد التونسي عن أصحابه القيروانيين وهو الذي نقله ابن المنذر الإمام
[ ٦٧ ]
الحافظ الذي تصدر لنقل المذاهب بالأسانيد الصحيحة والطرق المتعددة عن الأئمة المجتهدين، وهو الذي لم ترد السنة المطهرة والأحاديث النبوية إلا به عن سيد المرسلين ﷺ وعلى آله الطاهرين» أ. هـ.
قال محمد تقي الدين: قد تبين لك أن مذهب النبي ﷺ ومذهب مالك هو وضع اليمنى على اليسرى بلا شك، وليس مقصودنا أن ثبوت هذه السنة ومشروعيتها لجميع المسلمين يتوقف على رواية مالك لها أو عمله بها فإن الذي أوجب الله على جميع المسلمين قبل وجود مالك وفي زمان صباه وجهله وفي زمان علمه وإمامته هو اتباع رسول الله ﷺ وهو الواجب على جميع المسلمين إلى يوم القيامة ولم يجعل الله حجة على أحد من الناس – رجلًا بعينه – إلا رجلًا واحدًا، هو محمد رسول الله، فمن اتبعه نجا وإن لم يسمع بمذهب أصلًا، ومن خالفه هلك وشقي ولا ينقذه زعمه أنه يتمسك بمذهب مالك لأن مالكًا قد تبرأ منه كما تقدم في كلام ابن عبد البر.
ومالك وغيره من أئمة أهل السنة ينقلون لنا سنة رسول الله ﷺ فنقلناها منهم إذا صحت بالقبول ونعمل بها ونترحم عليهم ولا نفضل أحدًا منهم على أحد، والذي نسأل عنه في قبورنا وفي الحشر هو محمد رسول الله ﷺ وإنما سقنا
[ ٦٨ ]
رواية وضع اليمنى على اليسرى عن مالك وأصحابه ليتبين جهل المفتون وجهل متبوعه «الجكني» المبتدع.
والعجب من «البوعصامي» العامي، بل العمي، كيف تجرأ وزعم أن الحديث الثاني من حديث الموطأ منسوخ، فهذا افتراء لم يسبقه إليه أحد إلا «الجكني» وهما كاذبان خاطئان فلعنة الله على الكاذبين.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح الحديث المشار إليه «كان الناس يؤمرون»: «هذا حكمه حكم الحديث المرفوع لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي ﷺ، قال البيهقي: لا خلاف في ذلك بين أهل النقل، قال النووي في شرح مسلم: وهذا حديث صحيح مرفوع» .
وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: «إذا لم تستح فافعل ما شئت» وما أحسن قول الشاعر:
إذا لم تخش عاقبة الليالي
فلا والله ما في العيش خير
ولم تستح فاصنع ما تشاء
ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
ولو أن هذا العامي العمي رجع إلى حاشية ابن الحاج على «ميارة الصغير» لوجد فيها بعد حكاياه الفاسدة الكاسدة المتناقضة التي تكره العمل بسنة النبي ﷺ وهي المكروهة، لوجد فيها ما نصه:
وفي القبض ثلاثة أقوال أخر:
[ ٦٩ ]
أحدها: الاستجابة مطلقًا وهو قول مالك في رواية مطرف وابن الماجشون عنه في «الواضحة» وقول المدنيين من أصحابنا واختاره غير واحد من المحققين كاللخمي وابن العربي وابن عبد البر وابن رشد وابن عبد السلام، وعده ابن رشد في المقدمات من فضائل الصلاة، وتبعه عياض في قواعده ونسبه في الإكمال للجمهور، وبه قال أئمة المذاهب: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وسفيان الثوري وإسحاق بن راهوية وأبو ثور وداود بن علي وأبو جعفر الطبري وغيرهم.
الثاني: إباحة القبض فيهما، وهو قول مالك في سماع العرينيين وقول أشهب في رسم شك في طوافه من سماع ابن ابن القاسم من جامع العتبية.
الثالث: منعه فيهما حكاه الباجي، وتبعه ابن عرفة وهو من الشذوذ بمكان، قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد المسناوي في رسالة في القبض: «وإذا تقرر الخلاف في أصل القبض كما ترى وجب الرجوع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ وقد وجدنا سنة رسول الله ﷺ قد حكمت
[ ٧٠ ]
بمطلوبية القبض في الصلاة بشهادة ما في الموطأ والصحيحين وغيرهما من الأحاديث السالمة من الطعن، فالواجب الانتهاء إليها والوقوف عندها والقول بمقتضاها» أ. هـ.