قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى﴾ (١) «ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: ﴿أن لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٢) أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله منها أحد كما قال: ﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى﴾ (٣) و﴿أن ليس للإنسان إلى ما سعى﴾ أي كما لا يحمل عليها وزر غيرها كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه.
ومن هذه الآية استنبط الشافعي ﵀ ومن تبعه أن القراءة لا يحصل ثواب إهدائها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع
_________________
(١) النجم: ٣٩، ٤٠.
(٢) النجم: ٣٨.
(٣) فاطر: ١٨.
[ ٧٥ ]
الأقيسة والآراء. فأما الدعاء والصدقة فمجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به»، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن ولده من كسبه»، والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ (١) الآية. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضًا من سعيه وعمله وثبت في الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء»، وقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى﴾ أي يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ (٢) أي فيخبركم به ويجزيكم عليه الجزاء الأوفى أي الأوفر» انتهى.
_________________
(١) يس: ١٢.
(٢) التوبة: ١٠٥.
[ ٧٦ ]
قال محمد تقي الدين: ومن ذلك تعلم أن ما زعمه «البوعصامي» العامي من أن عمر ﵁ أوصى بقراءة الفاتحة وخاتمة البقرة (كذا) وعزاه إلى «المشارق» (١) كذب وافتراء على عمر، وحقه أن يعزى إلى المغارب لا إلى المشارق لبطلانه فهو غارب وليس بشارق. فمن رواه؟ وأين إسناده؟ ومن صححه أو حسنه؟، وهل كتاب المشارق على فرض صحة نسبته إليه قرآن لا يحتاج إلى سنده، أو أحد الصحيحين، أو أحد الكتب الستة وما يقاربها؟، فهذا يكون الإفلاس والالتجاء إلى بنيان الطريق.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
------------------
يقولون أقوالًا ولا يعلمونها إذا قيل هاتوا حققوا ولم يحققوا
﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (٢) ثم وقفت على الأثر الذي عزاه «البوعصامي» إلى عمر بن الخطاب جهلًا منه أو ممن نقل عنه، وجدته مرويًا عن عبد الله بن عمر، رواه الخلال في جامعه بإسنادين كلاهما يدور على عبد الرحمن
_________________
(١) قال راقمه: لعله كتاب «مشارق الأنوار» وهو إما لابن العربي المالكي أو لـ الباجي الأندلسي.
(٢) الأنعام: ٢٤٥.
[ ٧٧ ]
بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه عن عبد الله بن عمر أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها.
قال في الهدي النبوي: «عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج شامي عن أبيه ما روى عنه سوى مبشر بن إسماعيل الحلبي، وفي هذا الإسناد أيضًا الحسن بن أحمد بن الحكم دعي بالوراق لملازمته محمد بن إسماعيل الوراق، لا يعرف وقد روى عن محمد بن إسماعيل هذا خبرًا منكرًا متنه: «اليمين الفاجرة تعقم الرحم» وفي إسناده أيضًا محمد بن قدامة الجوهري اللؤلؤي أبو جعفر البغدادي قال ابن معين: ليس بشيء وقال أبو داود: ضعيف لم أكتب عنه شيئًا» .
أقول: ومن ذلك تعلم أن هذا الأثر لا يصح عن ابن عمر، ولو فرضنا صحته فليس فيه حجة لأن قول الصحابي الواحد أو فعله ليس بحجة وإن لم يخالف الإجماع والسنة، فكيف وقد خالفهما.
والاقتداء بالنبي ﷺ في أفعاله وأقواله وتروكه فرض على كل مسلم في الأوامر والتروك. أما في الأفعال فإن لم يكن من خصائصه ﷺ فهو سنة يثاب من فعله ولا يأثم من تركه، أما الأوامر والتروك فلا يسع أحد مخالفتها، ومن فعل التروك فقد ابتدع في دين الله، فهو في النار بنص حديث رسول الله ﷺ، والعبادات لا مجال فيها للرأي والقياس، وإنما تؤخذ من هدي رسول الله ﷺ وقد تقدم الكلام
[ ٧٨ ]
على ذلك في الفصل الثالث.
وقال الإمام الحافظ شمس الدين ابن القيم في كتاب «الروح»: «وفي النسائي وغيره من حديث معقل بن يسار المزني عن النبي ﷺ أنه قال: «اقرؤوا «يس» على موتاكم»» .
قال في الهدي: حديث معقل بن يسار المزني، رواه أيضًا أبو داود وابن ماجة وأحمد ولفظه «يس قلب القرآن. لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم» ورواه أيضًا ابن حبان وصححه وأعله ابن القطان بالاضطراب وبكونه موقوفًا على معقل بن يسار، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه المذكورين في الإسناد وقد رأيت الذهبي يحمل الحكم عليه بما يلي: «أبو عثمان يقال: اسمه سعد عن أبيه معقل بن يسار المزني بحديث «اقرؤوا يس على موتاكم» لا يعرف أبوه ولا هو، ولا روى عنه سليمان التيمي» وجاء في التهذيب (ج ١٢ ص ١٦٥) «اسمه هرم بن نسيب وقيل هرم بن نصيب (١») وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث، ولذلك كره مالك وأصحابه قراءة القرآن عند الميت وبعد موته وعلى قبره وهو الحق.
والكراهة هنا كراهة تحريم لأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة حرام فعلها. وعلى تقدير ثبوته فالمراد به
_________________
(١) قال راقمه: في الحسام الماحق: بن هرم نصيب.
[ ٧٩ ]
من حضره الموت لا من مات وقضى نحبه.
قال ابن القيم عقب إيراد الحديث المتقدم الذكر: «وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر.
والأول أظهر لوجوه:
الأول: أنه نظير قوله «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» .
والثاني: انتفاع المحتضر بهذه السورة، لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات بقوله: ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾ (١) فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء الله ويحب الله لقاءها، فإن هذه السورة قلب القرآن ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر، وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي قال: كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو في السياق، وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين، وقضى.
الثالث: أن هذا علم الناس وعادتهم قديمًا وحديثًا يقرؤون «يس» عند المحتضر.
_________________
(١) يس: ٢٦، ٢٧.
[ ٨٠ ]
الرابع: أن الصحابة لو فهموا من قوله ﷺ: «اقرؤوا على موتاكم» قراءتها، لما أخلوا بها وكان ذلك أمرًا معتادًا مشهورًا بينهم.
الخامس: أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود، وأما قراءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل انقطع عن الميت» وقال في زاد المعاد: «ولم يكن من هديه ﷺ أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة» وقال القاسمي في تفسيره: «﴿أن لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ أي لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها، بل كل آثمة فإن إثمها عليها، وقال القاشاني: لأن العقاب يترتب على أفعال مظلمة رسخت في النقص بتكرار الأباطيل والأقاويل السيئة التي هي الذنوب، وكذلك الثواب إنما يترتب على أضدادها من فعل الفضائل كما قال تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ أي إلا سعيه وكسبه» .