اعلم أن التوسل هو ابتغاء الوسيلة أي السبب الموصل إلى المطلوب قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ (١) وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه. إن عذاب ربك كان محذورا﴾ (٢) والمراد بالتوسل إلى الله تعالى: الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله تعالى كما في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» رواه البخاري من حديث أبي هريرة.
_________________
(١) المائدة: ٣٥.
(٢) الإسراء: ٥٧.
[ ٨٦ ]
فالإقسام على الله بالمخلوق حرام، وهو جهل من فاعله لأن هذا المقسم إما أن يقسم بأجسام المخلوقين وذلك جهل وضلال وباطل، إذ لا يتقرب إلى الله بأجسام عباده، إذ لا علاقة لأجسامهم بما يريده الله من ذلك التوسل، وهو الإيمان والأعمال الصالحة.
وإما أن يتوسل إلى الله بأعمالهم فهو جهل أيضًا وضلال؛ لأن أعمالهم لهم، لا يصل إليه منها شيء إلا ما أذن الله فيه كالدعاء، وأعماله له، لا يصل إليهم منها شيء إلا ما خصص كالدعاء والصدقة بشرطهما إذا صنعا بقصد إيصال الخير إلى من مات موحدًا لله ومتبعًا للرسول ﷺ ولا يجوز الدعاء ولا الصدقة على من مات مشركًا بالله.
ويتوسل إلى الله تعالى أيضًا بأسمائه الحسنى؛ قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾ (١) .
وأما التوسل إلى الله تعالى بالعمل المتعلق بالنبي ﷺ وأصحابه وسائر المؤمنين إذا كان مشروعًا فهو من خير الوسائل، فمن توسل إلى الله تعالى بمحبة النبي ﷺ وطاعته واتباعه وتوقيره والدفاع عن سنته وتعظيم ما جاء به
_________________
(١) الأعراف: ١٨٠.
[ ٨٧ ]
فقد أحسن وهو جدير بالقبول، وكذلك التوسل بمحبة المؤمنين وإعانتهم وقضاء حاجاتهم والإحسان إليهم والدفاع عنهم وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم فذلك من أفضل الأعمال عند الله وفي تلك الحال يكون الإنسان متوسلًا إلى الله بعمله، وقد علمنا النبي ﷺ أن نتوسل إليه بأعمالنا كما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فتوسل كل واحد منهم إلى الله فاستجاب الله دعاءهم ولم يقل لنا أقسموا على الله بنبي أو ملك أو صالح.
قال العلامة المحقق بشير السهسواني في كتابه «صيانة الإنسان» بعد ما ذكر أنواع التوسل المشروعة ص ٢٠١، وقد أشرت إلى بعضها فيما سبق: «والسابع أن يقول: اللهم أسألك بحق فلان عبدك أو بجاهه أو حرمته أو نحو ذلك، فعن العز بن عبد السلام ومن تبعه عدم الجواز إلا بالنبي ﷺ، وعند الحنابلة في أصح القولين أنه مكروه كراهة تحريم، ونقل القدوري وغيره من الحنفية عن أبي يوسف أنه قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به.
وفي جميع متونهم أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت والمشعر الحرام مكروه كراهة تحريم، وهو كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد. وعللوا ذلك كلهم بقولهم: إنه لا حق لمخلوق على الخالق»
[ ٨٨ ]
ثم قال في صفحة ٢٠٥: «قال ابن بلدجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الله إلا به ولا يقول أسألك بملائكتك أو بأنبيائك أو نحو ذلك لأنه لا حق للمخلوق على خالقه» .
ثم في صفحة ٢٠٦: «الثامن: أن يسأل الله ويدعوه عند قبور الصالحين معتقدًا أن الدعاء عند القبور مستجاب ونقل الحافظ أحمد بن عبد الحليم الحرّاني في المبسوط وهو من أشهر كتب المالكية الكبرى عن الإمام مالك ﵀ كراهة التوسل بالمخلوق، يعني بذوات الأنبياء والصالحين ونقل ذلك في كتاب التوسل والوسيلة له، وأدعية الكتاب والسنة الصحيحة ليس فيها توسل إلا بأسماء الله الحسنى وصفاته والعمل الصالح، ففيها غنية عن الأدعية المبتدعة التي تنحو منحى الشرك
والوثنية» .
[ ٨٩ ]