اعلم أن الاجتماع لقراءة القرآن في المسجد في غير أوقات الصلاة مشروع لقول النبي ﷺ في غير أوقات الصلاة مشروع لقول النبي ﷺ: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» . رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
لكن الاجتماع لقراءة القرآن الموافقة لسنة النبي ﷺ وعمل السلف الصالح أن يقرأ أحد القوم والباقون يسمعون، ومن عرض له شك في معنى الآية استوقف القارئ، وتكلم من يحسن الكلام في تفسيرها حتى ينجلي تفسيرها، ويتضح
[ ٩٩ ]
للحاضرين، ثم يستأنف القارئ القراءة. هكذا كان الأمر في زمان النبي ﷺ وبعده إلى يومنا هذا في جميع البلاد الإسلامية ما عدا بلاد المغرب في العصر الأخير، فقد وضع لهم أحد المغاربة ويسمى «عبد الله الهبطي» وقفًا محدثًا ليتمكنوا به من قراءة القرآن جماعة بنغمة واحدة، فنشأ عن ذلك بدعة القراءة جماعة بأصوات مجتمعة على نغمة واحدة وهي بدعة قبيحة تشتمل على مفاسد كثيرة:
الأولى: أنها محدثة وقد قال النبي ﷺ: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» .
الثانية: عدم الإنصات فلا ينصت أحد منهم إلى الآخر، بل يجهر بعضهم على بعض بالقرآن، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك بقوله: «كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن، ولا يؤذ بعضكم بعضًا» .
الثالثة: أن اضطرار القارئ إلى التنفس واستمرار رفقائه في القراءة يجعله يقطع القرآن ويترك فقرات كثيرة فتفوته كلمات في لحظات تنفسه، وذلك محرم بلا ريب.
الرابعة: أنه يتنفس في المد المتصل مثل: جاء، وشاء، وأنبياء، وآمنوا، وما أشبه ذلك فيقطع الكلمة الواحدة نصفين،
[ ١٠٠ ]
ولا شك في أن ذلك محرم وخارج عن آداب القراءة، وقد نص أئمة القراءة على تحريم ما هو دون ذلك، وهو الجمع بين الوقف والوصل، كتسكين باء «لا ريب» ووصلها بقوله تعالى: ﴿فيه هدى﴾ قال الشيخ التهامي بن الطيب في نصوصه:
الجمع بين الوصل والوقف حرام نص عليه غير عالم همام
الخامسة: أن في ذلك تشبهًا بأهل الكتاب في صلواتهم في كنائسهم، فواحدة من هذه المفاسد تكفي لتحريم ذلك، والطامة الكبرى أنه يستحيل التدبر في مثل تلك القراءة وقد زجر الله عن ذلك بقوله في سورة محمد: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ ونحن نشاهد معظم من يقرأ على تلك القراءة لا يتدبر القرآن ولا ينتفع به، وتا الله لقد شاهدت قراء القرآن على القبر فلم يتعظوا بمشاهدته ولا برؤية القبور ولا بما يقرؤونه من القرآن، فقبح الله قومًا هذا حالهم «وبعدًا للقوم الظالمين» .
قال أبو إسحاق الشاطبي في «الاعتصام»: «واعلموا أنه حيث قلنا: إن العمل الزائد على المشروع يصير وصفًا له أو كالوصف فإنما يعتبر بأحد أمور ثلاثة: إما بالقصد، وإما
[ ١٠١ ]
بالعبادة، وإما بالزيادة أو بالنقصان.
إما بالعبادة كالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان، فإن بينه وبين الذكر المشروع بونًا بعيدًا إذ هما كالمضادين عادة، وكالذين حكى عنهم ابن وضاح عن الأعمش عن بعض أصحابه قال: «مر عبد الله برجل يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول: سبحوا عشرا وهللوا عشرا، فقال عبد الله: إنكم لأهدى من أصحاب محمد ﷺ أو أضل؟ بل هذا «يعني أضل»» .
وفي رواية عنه: أن رجلًا كان يجمع الناس فيقول: ﵀ من قال كذا وكذا مرة «الحمد لله» . قال فمر بهم عبد الله بن مسعود فقال لهم: «هديتم لما لم يهد نبيكم، وإنكم لتمسكون بذنب ضلالة»، وذكر لهم أن ناسًا بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل بين يديه كومًا من حصى قال: فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد ويقول: «لقد أحدثتم بدعة وظلمًا وكأنكم فقتم أصحاب محمد ﷺ علما»» انتهى.
تعليق: وقد روى هذا الحديث عن ابن مسعود من طرق كثيرة بعبارات مختلفة لفظًا ومتفقة معنى، بعض الروايات مطول وبعضها مختصر وفيه فوائد:
الأولى: هذا الحديث موقوف ولكنه في حكم المرفوع،
[ ١٠٢ ]
لأن ابن مسعود صرح بأن ذلك مخالف لسنة النبي ﷺ ففي بعض الروايات: «ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هذه ثيابه لم تبل، وأوانيه لم تكسر، ونساؤه شواب، وقد أحدثتم ما أحدثتم»، وفي رواية أخرى أن عبد الله بن مسعود لما طردهم من مسجد الكوفة ورماهم بالحصباء، خرجوا إلى ظاهر الكوفة وبنوا مسجدًا وأخذوا يعملون ذلك العمل، فأمر عبد الله بن مسعود بهدمه فهدم.
الثانية: أن البدعة وإن كانت إضافية شر من المعاصي كما حققه أبو إسحاق الشاطبي فهي حرام، إنما كانت شرًا من المعاصي لأن المعصية يفعلها صاحبها وهو معترف بذنبه فيرجى له أن يتوب منها.
الثالثة: أن المبتدع يستحق العقاب والطرد من المسجد إن كان الابتداع فيه.
الرابعة: أن كل مسجد بني على قبر أو بني لارتكاب البدع فيه يجب هدمه؛ لأنه مثل مسجد الضرار الذي أمر رسول الله ﷺ بهدمه وإحراقه، فهدمه أصحابه وجعل كناسة ترمي فيه الجيف، وقد نقل غير واحد عن ابن حجر الهيثمي أنه قال: «إن هذه المساجد المبنية على القبور هي أحق بالهدم من مسجد الضرار»، وابن حجر هذا كان مبتدعًا ضالًا ولكنه في
[ ١٠٣ ]
هذه المسألة قال الحق، والحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها.
أما الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني فهو إمام محقق لم يشرح أحد صحيح البخاري مثل شرحه المسمى بـ «فتح الباري» ولذلك قال العلماء: «لا هجرة بعد الفتح» . أي لا شرح للبخاري يستحق الاعتبار بعد فتح الباري، ثم قال أبو إسحاق عاطفًا على البدع المنكرة: «ومن أمثلة ذلك أيضًا: قراءة القرآن على صوت واحد، فإن تلك الهيئة زائدة على مشروعية القراءة، وكذلك الجهر الذي اعتاده أرباب الرواية» انتهى.
قال محمد تقي الدين: والعجب من هؤلاء المشركين المبتدعين الضلال، فإنهم يتلونون تلون الحرباء لا يستقرون على حال أبدًا، فتارة يدعون أنهم مقلدون لمالك، ويرون من خالف مذهبه كمن خالف القرآن والسنة الثابتة المحكمة، ويغلون في ذلك إلى أن يجعلوا البسملة والتعوذ وقراءة الفاتحة خلف الإمام في الجهرية والجهر بالتأمين ووضع اليمنى على اليسرى ورفع اليدين عند الركوع والرفع منه وبعد القيام من التشهد الأول، والسلام تسليمتين (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وما أشبه ذلك من السنة الثابتة عن النبي ﷺ التي يراها من له أدنى إلمام بالفقه في الدين
[ ١٠٤ ]
كالشمس في رابعة النهار كأنه يشاهد النبي ﷺ يفعلها لا يشك في ذلك ولا يرتاب فيه، يجعلون ذلك من المنكرات التي يجب أن تغير، ويكتب فيها من بلد إلى بلد مع أن مالكًا في الحقيقة قائل ببعضها تفصيلًا وبسائرها إجمالًا، ثم يخالفون فيما ينهى عنه ويكرهه كراهة تحريم من البدع التي لا تسند إلى أي دليل كعبادة القبور وزيارتها زيارة بدعية، وقراءة القرآن على الميت بعد موته وعلى قبره، وقراءة القرآن جماعة بصوت واحد، وقراءة الأذكار والأوراد كذلك، وقد صرح بذلك خليل الذي يعدون مختصره قرآنًا يتلى غلوًا منهم وضلالًا.
قال في مختصره عاطفًا على المكروهات: «وجهر بها في مسجد كجماعة»، ولا يبالون بخلافه فيما اعتادوه من البدع، فيحلونه عامًا ويحرمونه عامًا، وما أحسن قوله تعالى في سورة القصص يخاطب رسوله ﷺ: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله. إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (١) .
_________________
(١) القصص: ٥٠.
[ ١٠٥ ]
أحكام آية النجم
زعم المفتون أن آية النجم (١) منسوخة بآية: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان﴾ وهو قول باطل حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس ولا يصح، وقد رأيت الشافعي ﵀ احتج بآية النجم على عدم وصول ثواب قراءة القرآن للأموات والإمامان ابن جرير الطبري وابن كثير يريانها محكمة، والسيوطي في «الإتقان» قد عد الآيات التي صح أنها منسوخة ولم يعد هذه منها، وقد تقدم عنه أنه نقل احتجاج الشافعي منها، وبذلك تعلم بطلان ما ادعاه المفتون، ثم أنها خبر والنسخ لا يقع في الأخبار، بل الله احتج بها على الذي تولى، أي أعرض عن الإسلام وأعطى قليلًا وأكدى، أي منع العطاء. قيل هو الوليد بن المغيرة وقيل غيره، وذلك دليل قاطع على أنها محكمة، والعجب من هذا المبتدع كيف يعجب على أهل مسجد «أرفود» عملهم بسنة النبي ﷺ ويجعله منكرًا بلا حجة إلا مخالفة مذهب مالك، ثم يخالفه هو في أمور تقدم ذكرها، ومن جملة ما خالف فيه مذهب مالك القول بصحة النيابة في الحج والصوم، ولو ذهبنا نحصى تناقضه لضاق بنا المجال فنقتصر على هذا القدر منشدين:
إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضرة
_________________
(١) قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ .
[ ١٠٦ ]
انتفاع الإنسان بعمل غيره
سرد «البوعصامي» العامي اثني عشر وجهًا يستدل بها على انتفاع الإنسان بعمل غيره، ولم يذكر من أدلتها إلا قليلًا كعادته في التهور وإصدار الأحكام بلا دليل، كأنه يخاطب عوام مثله يسلمون له كل ما يزعم، وأقول في ذلك قولًا مختصرًا مفيدًا: كل عمل صح النقل بأنه ينفع عامله كالدعاء والصدقة والحج والصوم المنذور خلافًا للمالكية في هذين الآخرين، فهو تخصيص عموم أية النجم المتقدم بيانها، وما لم يصح دليله أو لم يوجد له دليل أصلًا كزعمه أن الأبناء يدخلون الجنة بعمل آبائهم فهو كذب على الله ورسوله، ومن البراهين القاطعة في رد هذه الدعوى الوقحة ما جاء في صحيح البخاري في كتاب التفسير سورة الشعراء في قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾، عن أبي هريرة قال: «قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾: يا معشر قريش أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا. ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من
[ ١٠٧ ]
مالي، لا أغني عنك من الله شيئا» .
فتأملوا أيها الموحدون المتبعون لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ كيف أمر الله رسوله ﷺ أن ينذر أقرب الناس إليه نسبًا وأن يحذرهم من عذاب الله، وكيف امتثل رسول الله ﷺ ما أمره الله به على أحسن الوجوه وأكملها، فأنذرهم بذلك التفصيل والبيان حتى انتهى إلى فاطمة ابنته سيدة نساء العالمين فقال لها: «يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا» .
وأخرج أحمد والشيخان والترمذي عن أبي هريرة قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا رسول الله ﷺ فعم وخص فقال: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رحمًا سأبلها ببلاها» انتهى.
فما معنى قول النبي ﷺ لابنته التي هي بضعة منه: «يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئا» إذا كان أبناء المؤمنين يدخلون الجنة اعتمادًا على
[ ١٠٨ ]
عمل آبائهم بلا إيمان ولا عمل، أليس قائل هذا القول مفتريًا على الله الكذب، فإن كان يعلم هذا الحديث ومعنى الآية فقد كفر لتكذيبه بالقرآن والحديث، ورده ما جاء من الله ورسوله واضحًا – كالشمس في رابعة النهار – وما يتلى في القرآن ويقرأ في الصحيحين بتفسير سيد الأولين والآخرين، وإن كان يجهله فكيف نصب نفسه لدعوة الناس إلى الدين والأمر بالمعروف بزعمه وإنكار المنكر وهو في هذه الدركة من الجهل، ولا غرابة في ذلك فمن لم يعرف معنى (لا إله إلا الله) وأشرك بالله ودعا إلى عبادة غيره بلا حشمة ولا حياء كيف يرجى له أن يعرف معاني الكتاب والسنة، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.
ثم ذكر «البوعصامي» العمي كتبًا أحال القارئ لهذيانه على مراجعتها على سبيل الإجمال تمويها وتضليلًا، ومنها ما سماه: كتاب «الرد على الوهابية» ولا يعرف كتاب بهذا الاسم يختص به، وقد لفق جماعة من المشركين المبتدعين عباد الأضرحة رسائل سموها بالرد على الوهابية ولا توجد فرقة على وجه الأرض تسمي نفسها (وهابية)، ولكن المبتدعين والمشركين اخترعوا هذه التسمية ليطلقوها على كل من
[ ١٠٩ ]
يوحد الله ويتبع سنة رسول الله ﷺ ويتجنب البدع والمحدثات، كما كان المشركون يسمون رسول الله ﷺ مذممًا، بل المشركون الأولون أعقل من هؤلاء المتأخرين فإنهم سموا النبي ﷺ باسم يدل على الذم في لغتهم وهم المذمومون، والنبي ﷺ طاهر مطهر لا يلحق به شيء من ذمهم، وكذلك من اتبعه إلى يوم القيامة مسلمون حنفاء لا يضيرهم ما يقول فيهم أعداؤهم.
أما المشركون المتأخرون فهم جهال بالألفاظ والمعاني كالقارئ الذي قرأ «فَخَرَّ عليهم السقف من تحتهم» فقيل له: لا عقل عندك ولا قرآن، فتسمية أهل الحق بالوهابية نسبة إلى الوهاب من أحسن الأسامي.
قال تعالى حكاية عن إبراهيم أبي الحنفاء الموحدين في سورة مريم: ﴿فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب. وكلا جعلنا نبيا. ووهبنا لهم من رحمتنا لسان صدق عليا﴾، والحنفاء في كل زمان ومكان يقتدون بأبيهم إبراهيم فيعتزلون أهل الشرك وما يعبدون من دون الله، ويدعون الله وحده راجين فضله، فيسعدون ولا يشقون، فيهب لهم وهو الوهاب، من رحمته كل ما أملوه ويجعل لهم لسان صدق عليا، وقد انطق الله المشركين بكلمة الحق على رغم أنوفهم
[ ١١٠ ]
فسموا أهل الحق نسبة إلى الكريم الوهاب، وسيأتي إن شاء الله في القصيدة البائية، وقد تجرأ هذا الدجال على الله وعلى عباده المؤمنين فنسبهم إلى الزندقة ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا﴾ وقد علل ذلك بأنهم ينكرون ما سماه بـ «أولياء الله» يعني الأوثان، وتعالى الله أن تكون الأوثان له أولياء ﴿إن أولياؤه إلا المتقون ولكن المشركين لا يعلمون﴾ فما معنى هؤلاء الأولياء؟
أما نصوص القرآن والحديث فهي متفقة على أن أولياء الله هم المؤمنون الموحدون المتبعون لسنة رسول الله ﷺ، ومن لم يكن منهم فهو من أعداء الله. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿لا إكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى. لا انفصام لها والله سميع عليم. الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، فأنت ترى أيها القارئ الموفق لاتباع الحق وتجنب الباطل: أن الله قسم جميع الناس وجعلهم فريقين لا ثالث لهما: الكافرين بالطاغوت، والمؤمنين بالله المتمسكين بالعروة الوثقى التي لا تنفصم
[ ١١١ ]
وهم أولياء الله، لا يتخذون غيره وليًا أبدًا، فهو الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور، والفريق الثاني هم المشركون أعداء الله، أولياء الطاغوت، وهم شيوخ الضلال، ورئيسهم إبليس، يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
ومثل ذلك قوله في سورة الأعراف: ﴿فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾ فالمؤمنون هداهم الله لتوحيده واتباع ما أنزل من الله وما أمرهم به الرسول، والمشركون حقت عليهم الضلالة، فأخذوا الشياطين أولياء من دون الله وظنوا مع ذلك أنهم مهتدون.
هذا فيمن عبد الأوثان وسماها بأسمائها، فهؤلاء لم يعبدوا إلا الشياطين الذين أضلوا وزينوا لهم الشرك بالله وأوهموهم أن عباد الله الصالحين والأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين يرضون بعباداتهم ويشفعون لهم كما قال تعالى في سور الزمر: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار﴾ فسمى الله زعمهم اتخاذ أولئك الصالحين أولياء من دون الله وعبادتهم له وزعمهم أنهم يقربونهم إلى
[ ١١٢ ]
الله سمى ذلك كله كذبا ومبالغة في الكفر فهم كاذبون كافرون ولن يهديهم أبدًا ما داموا مصرين على ذلك، وقال تعالى في هذا المعنى في سورة الكهف: ﴿أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا. قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾ وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قل أغير الله اتخذ وليًا فاطر السموات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين﴾ فالمشركون لفساد عقولهم يشركون بالله الذي يطعمهم، ويتخذون أولياء عاجزين جائعين محتاجين إلى من يطعمهم، فالمشركون يطعمونهم ويعبدونهم ﴿ألا ذلك هو الخسران المبين﴾، وقال تعالى في سورة الشورى: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾، فالمؤمن من يتخذ الله وحده وليًا وهو حسبه ونعم الوكيل، والمشركون يتخذون أولياء كثيرًا عددهم، وقد عرفت الآن معنى ولي الله ومعنى عدو الله ومعنى اتخاذ الأولياء من دون الله، فالمؤمن الموحد المتبع
[ ١١٣ ]
للسنة ولي الله، وإخوانه المؤمنون أولياء الله فلا يتصور أن ينكرهم فلو أنكرهم لأنكر نفسه وسائر فرق الهدى، وذلك محال.
أما النصارى فيقسمون الناس إلى ثلاثة أقسام، فالذي يسمونه الإله يشتمل على ثلاثة أقانيم: الأب وهو الله، والابن وهو عيسى، وروح القدس وهذا معنى قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ الآيات.
والقسم الثاني: يسمونهم القديسين، وعددهم كثير منهم رجال ومنهم نساء. كل واحد له يوم من أيام السنة يتخذونه موسمًا ويتقربون إليه فيه بأنواع من العبادات، كالذبح والنذر والدعاء والاستغاثة، وقد يصورون تمثالًا يتخذونه ويسمونه باسمه ويركبون ويعتقدون أن هؤلاء يتصرفون في الكون وينفعون ويضرون ويصعدون إلى السماء ولكن رتبتهم دون القسم الأول.
والقسم الثالث: عامة النصارى، وهذه العقيدة هي التي اتخذها الجهال الذي يزعمون أنهم مسلمون، فالقسم الذي يسميه النصارى قديسين يسمونه هم أولياء الله، ويفعلون معه ما يفعله النصارى مع مقدسيهم ونحن نشهد بالله أن هذا القسم لا وجود له في الإسلام ولا في دين المسيح الحق غير
[ ١١٤ ]
المبدل، فليس هناك إلا سيد واحد وغيره عبيد خاضعون لأمره مطيعون له، فالسيد هو الله والخلق كلهم عبيد، ولكن الأنبياء فضلهم الله وخصهم بالوحي والرسالة، فهم سادات لسائر العبيد ولا يبلغ مرتبتهم أحد غيرهم ولكنهم لا ينفعون ولا يضرون ولا يدعون ولا يستغاث بهم ومن دعاهم أو صرف لهم شيئًا من العبادة فهو كافر.
أما المؤمنين فهم أولياء الله وحزبه المفلحون، فأولهم عند أهل السنة في الفضل: أبو بكر الصديق ﵁ وآخرهم في الفضل رجل يخرج من النار بشفاعة النبي ﷺ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وكلهم أولياء الله، وبذلك تعلم فساد كلام «البوعصامي» وأنه جار على طريقة من ذكرنا من النصارى وسائر من يعتقد تعدد الآلهة، وقد تقدم الكلام على ذلك في الفصل الأول.