ثم قال «البوعصامي» العمي معترضًا: «وينكرون أهل البيت الذين قال الله فيهم ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا﴾ الخ وقال ﵇: «أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثًا» رواه مسلم. قالوا: من أهل البيت؟ قال: «ذرية فاطمة إلى يوم القيامة»» .
[ ١١٥ ]
لقد حرف هذا المشرك معنى الآية وزاد الحديث كذبًا وافتراء منه ودونك تفسير الآية ومعنى الحديث على التحقيق:
قال القاسمي في تفسيره: «﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا﴾ أي لا أسألكم على دعايتكم إلى ما ادعوا إليه من الحق الذي جئتكم به والنصيحة التي أنصحكم ثوابًا وجزاء وعوضًا من أموالكم تعطونه إلا المودة في القربى، أي أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم وتصلوا الرحم التي بيننا ولا يكن غيركم يا معشر قريش أولى بحفظي ونصرتي ومودتي منكم، قال الشهاب: المودة مصدر مقدر بأن والفعل، والقربى مصدر كالقرابة و«في» للسببية وهي بمعنى اللام لتقارب السبب والعلة، والخطاب إما لقريش وإما لجميع العرب لأنهم أقرباء في الجملة. انتهى، والاستثناء منقطع ومعناه نفي الأجر أصلًا؛ لأن ثمرة مودتهم عائدة إليهم لكونها سبب نجاتهم فلا تصلح أن تكون أجرًا له، وقيل معنى أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم، وقيل «القربى» التقرب إلى الله ﷾، أي إلا أن تتوددوا إلى الله فيما يقربكم إليه، والمعنى الأول هو الذي عول عليه الأئمة ولم يرتض ابن عباس وغيره، ففي البخاري عنه ﵁ أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿إلا المودة في القربى﴾، قال
[ ١١٦ ]
سعيد بن جبير: «القربى آل محمد»، فقال ابن عباس: «عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» .
قال ابن كثير: «انفرد به البخاري» أي عن مسلم ورواه الإمام أحمد وهكذا روى الشعبي والضحاك وعلي بن أبي طلحة والعوفي ويوسف بن مهران وغير واحد عن ابن عباس مثله وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس قال: «قال لهم رسول الله ﷺ لا أسألكم عليه أجرًا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم وتحفظوا القربة التي بيني وبينكم» وروى الإمام أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لا أسألكم على ما آتيتكم به من البينات والهدى أجرًا إلا أن تودوا الله تعالى وأن تقربوا إليه بطاعته وهكذا روي عن قتادة والحسن البصري مثله.
وأما رواية أنها نزلت بالمدينة فيمن فاخر العباس من الأنصار فإسناده ضعيف على أن السورة مكية وليس يظهر بين الآية وتلك الرواية مناسبة، وكذا ما رواه ابن أبي حاتم أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: «فاطمة وولدها ﵃» فإن
[ ١١٧ ]
في إسناده مبهمًا لا يعرف، من شيخ شيعي وهو «حسين الأشقر» فلا يقبل خبره في هذا المجال، وذكر نزول الآية في المدينة بعيد فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة ﵂ أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي ﵁ إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة، والحق تفسير هذه الآية بما فسر به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁ كما رواه البخاري.
ولا ننكر الوصية لأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، خاصة إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلى وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال في خطبته: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وأنهما لم يتفرقا حتى يردا على الحوض» .
هذا ملخص ما أورده ابن كثير رحمه الله تعالى وسبقه في ذلك تقي الدين ابن تيمية في منهاج السنة من أوجه عديدة:
قال في الوجه الثالث: «إن هذه الآية في سورة «الشورى» وهي مكية باتفاق أهل السنة بل جميع آل «حم» وكذلك
[ ١١٨ ]
آل «طسم»، ومن المعلوم أن عليًا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة والحسين في السنة الرابعة فتكون هذه الآية نزلت قبل الحسن والحسين بسنين متعددة فكيف فسر النبي ﷺ الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق.
ثم قال:
الوجه الرابع: أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن ابن عباس يناقض ذلك، فهذا ابن عباس ترجمان القرآن أعلم أهل البيت بعد علي يقول ليس معناه مودة ذوي القربى، لكن معناه لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجرًا لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولًا أن يصلوا رحمه فلا يعتدوا عليه حين يبلغ رسالة ربه.
الوجه الخامس: أنه قال: ﴿لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ ولو أراد المودة لذوي القربى لقال لذوي القربى كما قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ولرسوله ولذي القربى﴾ وقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى﴾ وكذلك قوله: ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل﴾ وقوله:
[ ١١٩ ]
﴿وآت المال على حبه ذوي القربى﴾، وكذلك في غير موضع فجميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قرابة النبي ﷺ وذوي قربى الإنسان، إنما قيل فيه «ذوي القربى» ولم يقل «في القربى» فلما ذكر هنا المصدر دون الاسم دل على أنه لم يرد ذوي القربى.
الوجه السادس: أنه لو أريد المودة لهم لقال المودة لذوي القربى ولم يقل في القربى فإنه لا يقول من طلب المودة لغيره: أسألك المودة في فلان ولا في قربى فلان، ولكن أسألك المودة لفلان والمحبة لفلان فلما قال المودة في القربى علم أنه ليس المراد لذوي القربى.
الوجه السابع: أن يقال إن النبي ﷺ لا يسأل على تبليغ رسالة ربه أجرًا البتة. بل أجره على الله كما قال: ﴿قل ما أسألكم عليه أجرًا وما أنا من المتكلفين. أم تسألهم أجرًا فهم من مغرم مثقلون﴾ وقوله: ﴿قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله﴾، ولكن الاستثناء هنا منقطع كما قال: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾، ولا ريب أن محبة أهل النبي ﷺ واجبة ولكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية، ولا محبتهم أجر للنبي ﷺ بل هو مما أمرنا به الله كما أمرنا بسائر العبادات.
[ ١٢٠ ]
الوجه الثامن: أن القربى معرفة باللام فلا بد أن يكون معروفًا عند المخاطبين الذين أمر أن يقول لهم لا أسألكم عليه أجرا، وقد ذكر أنها لما نزلت لم يكن قد خلق الحسن والحسين، ولا تزوج علي بفاطمة، فالقربى التي كان المخاطبون يعرفونها يمتنع أن تكون هذه بخلاف القربى التي بينه وبينهم، فإنها معروفة عندهم كما تقول لا أسألك إلا المودة في الرحم التي بيننا وكما تقول لا أسألك إلا العدل بيننا وبينكم ولا أسألك إلا أن تتقي الله في هذا الأمر» انتهى.