فمن الأحاديث التي أوردها الإسماعيلي ما في مسند الإمام أحمد أنه - ﷺ - أخذ بيد علي ﵁ بعد أن جمع الناس للصلاة بغدير يقال له غدير خم -بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم- وقال: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى، قال: «اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وقال الإسماعيلي: إن المولى في الحديث بمعنى الأولى، وأنه إنما أراد لعلي من الولاء عليهم ما له - ﷺ - من الولاء، قال وقوله قبل ذلك: "ألستم
[ ٤٧ ]
تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم" بيان لهذا وإلا لذهب ذلك سدى، وقال لو كان المولى بمعنى الناصر أو غيره لم يحتج إلى جمع المسلمين وإشهادهم ولا أن يأخذ بيد علي لأن ذلك يعرفه كل أحد، ولا كان يحتاج إلى أن يدعو بقوله «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» لأن مثل هذا لا يكون إلا لإمام مفترض الطاعة. وبهذا الحديث وغيره من نحو قوله - ﷺ -: «علي ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي» وقوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» ونحو حديث المؤاخاة احتج على ما ادعاه. فبينوا حل هذه الشبهة.
ومنها: أنه زعم أن عليا ﵁ استنقذ أم ابنه محمد بن الحنفية من يد أبي بكر حين سباها في الردة ثم تزوجها علي من وليها بعقد صحيح، إذ كان يرى أن لا يحل لأبي بكر سبيها لأنها من قوم لم يجر منهم ما يوجب قتالهم، وإنما كان منهم منع الزكاة فقط، وذلك لا يوجب الردة. هذا كلامه، وأراد بذلك أن عليا كان يقدح في خلافة أبي بكر ولا يعتقد صحتها.
ومنها: أنه زعم أن عليا لم يصل صلاة خلف أبي بكر ولا غيره ولا تأمر عليه أبو بكر ولا غيره.
ومنها: سؤال من السائل نفسه: أخبرونا كم صلى أبو بكر بالناس من أيام في مدة مرض رسول الله - ﷺ -، وهل صلى النبي - ﷺ - خلف أبي بكر ﵁ في مرضه كما صح أنه - ﷺ - صلى خلف عبد الرحمن بن عوف في صحته؟
[ ٤٨ ]
ومنها: أنه زعم أن دفن أبي بكر وعمر عند رسول الله - ﷺ - ما كان عن إذن منه، ولا أمر أن يشق لأحد في بيته قبر، وقال الله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾.
ومنها: أنه زعم أن لكل نبي وصيا، وكان النبي - ﷺ - يأمر بالوصية في الأولاد وقضاء الديون، فكيف ترك نفسه ولم يوص بالخلافة إلى أحد في زعمهم، ويترك الأمة يتيهون في الضلالة.
ومنها: أن المسلمين أجمعوا على تسمية علي ﵁ وصي النبي - ﷺ -، فوجب أن يكون وصيا بالخلافة.
ومنها: أن عثمان لما ولي قعد على المنبر في مقعد رسول الله - ﷺ - في ذروته مع أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه نزل عن ذلك درجة وعمر درجتين. وأنه نفى أبا ذر، وآوى مروان، وأقطعه فدك، وهي صدقة النبي - ﷺ -. إلى غير ذلك من الأمور التي من فعل بعضها لم يستحق الإمامة ووجوب الطاعة.
ومنها: أن عمر كسر سيف الزبير وضرب سعد بن عبادة، وذلك يقدح في إمامته.
ومنها: وهي من السائل أنه أشكل علينا ما ذكره الواحدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي﴾ الآية أنه قال لحفصة: "أبوك وأبو عائشة واليا أمر الناس بعدي فإياك أن تخبري أحدا" وقال: كره أن ينتشر ذلك في الناس فما سبب هذه الكراهة وهو مأمور بالتبليغ. وكذلك في الحديث الذي ذكر فيه الرؤيا أنه - ﷺ - وزن هو وأبو بكر فرجح بأبي بكر، فوزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر بعمر، ووزن
[ ٤٩ ]
عمر بعثمان فوزن عمر بعثمان، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهة في وجه النبي - ﷺ - ما سبب هذه الكراهة. وكذلك حديث أنه - ﷺ - قال للعباس: "إن الله فتح بي هذا الأمر وبذريتك يختمه". وقال العلماء: أراد بذلك بقاء الخلافة في أولاده إلى يوم القيامة، فأين خلافة بني العباس اليوم؟
ومنها: صح أن عليا زوج ابنته أم كلثوم التي أمها فاطمة من عمر ﵃، فكيف صح هذا النكاح وغير الهاشمي ليس بكفء للهاشمي؟ وقال الشافعي ﵁: ليس للرجل أن يزوج ابنته الصغيرة من عبد ولا من غير كفؤ فلو فعل ذلك لم يصح النكاح لأنه خلاف الغبطة والمصلحة.
ومنها: ما روي أن فاطمة جاءت إلى أبي بكر ﵁ وادعت أن النبي - ﷺ - نحلها فدكا أو سهما من فدك، وأقامت عليا وأم أيمن يشهدان بذلك فلم يعطها شيئا وقامت مغضبة.
ومنها: أن داعي الإسماعيلية زعم أن الخلافة محصورة في آل النبي - ﷺ - بما رواه البزار أنه - ﷺ - قال: «إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يقترقا حتى يردا علي الحوض». فقرن العترة بكتاب الله والتمسك بكتاب الله واجب فكذلك العترة. انتهى كلامه.
فبينوا لنا ذلك بيانا شافيا متع الله بكم المسلمين.
ومن جملة شعره الذي ختم به احتجاجه على ما يدعيه من بدعته قوله:
وخذوا الجوابا مبينا ومبرهنا عني فإني عبد آل محمد
من فضلهم وعلومهم لي حجة كالشمس نورا واضحا للمهتدي
ولهم ولائي لا أريد سواهم ومتين حبلهم به وثقت يدي
[ ٥٠ ]
قرنا كتاب الله ﷻ لا افتراق إلى ورود المورد
سفن النجاة إذا طغى موج الهوى وأمده بدع كموج مزبد
وهم أولو الذكر المبين ومنهم أنوار صدق أصلها من أحمد
آل الرسول وحيدر من مثلهم في الخلق في شرف يجل وسؤدد
فهذه جملة أسئلته، وحاصل أبياته من جملة خمسة عشر بيتا، فالله الله، الغوث الغوث، الغارة الغارة. أيدكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فيسر الله الجواب بتصنيف يهدي إلى جادة الصواب، ويكشف عن تلك المشكلات النقاب، ويزيل عن الواقفين الوهم والشك والارتياب، ويبطل تلك الشبهة الزائغة، ويفضح تلك الدعاوى الفارغة أداء لفرض الكفاية وقياما بواجب النصح والرعاية، وسميته "الحسام المسلول على منتقصي أصحاب الرسول". وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. وصلى الله على أشرف خلقه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
- بسم الله الرحمن الرحيم -
وله الحمد، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الذي من على المؤمنين، إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، وأكرم عصابة السنة بحبله المتين، ونصرهم فكانوا هم الغالبين، وآتاهم الفهم في كتابه المستبين، وهداهم الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجنبهم زيغ الضالين، وضلال الملحدين، ووفقهم للاقتداء بسيد المرسلين، وآله الأكرمين، وصحبه الهادين المهتدين،
[ ٥١ ]
صلى الله عليه وعليهم أجمعين.
أما بعد: فقد سمعت نداءك أيها الأخ المستنجد، وأجبت دعاءك أيها الصارخ المسترشد، سلك الله بنا وبك قصد الطريق، وأمدنا وإياك بالعصمة والتوفيق، بما يجب علي لك من حق الإخاء والوداد، ولله ورسوله من نصرة الدين والجهاد، ولأئمة المسلمين وعامتهم من النصح والإرشاد. فإنك ذكرت أنه قد انتشرت عندكم فتنة طار شررها، وشاعت لديكم محن عم ضررها، من شخص من رؤوساء الإسماعيلية الضلال، استحوذ على طائفة من العوام الجهال، لبس عليهم بدعته فاتبعوه، واستخفهم بشبهته فأطاعوه، استزلهم بما يورد من الأحاديث الواردة في فضل أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه عن صحيح اعتقادهم، واستزلهم بزعمه موالاته ونصرته عن طريق رشادهم، حتى أدى بهم ذلك إلى القدح في خلافة الصديق ومن بعده من الخلفاء الراشدين، ثم سب سائر الصحابة ونسبتهم إلى الفسوق والمروق من الدين. وإنك تحب ما تستظهر به في دفع شبهته، وتستضيء به من السنة من ظلم بدعته، فاعلم أولا أن هذا دخان نار قد أوقد تقبل هذا الأوان، وغبار جدار قد وقع منذ دهور وأزمان، قد تبين فيها الرشد من الغي، واستبان فيها الصريح
[ ٥٢ ]
من اللي، وعرف فيها الحق من الباطل، والباطل من الهدى، فمن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.