لما طلع المشركون، وتراءى الجمعان، قال رسول الله - ﷺ -: اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها، جاءت تحاول، وتكذب رسولك .. اللهم نصرك الذي وعدتني .. اللهم أحنهم الغداة " وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان، فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها واصطف الفريقان، وعدل رسول الله - ﷺ - الصفوف، ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر، فأخذ يناشد ربه ما وعده من النصر، وجعل يهتف بربه - ﷿ - ويقول " اللهم انجزني ما وعدتني، اللهم نصرك .. اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك حتى إذا حمي الوطيس واستدارت رحي الحرب قال: " اللهم إن تهلك هذه العصابة
_________________
(١) الجواب الكافي لابن القيم.
(٢) كتاب الوصايا.
[ ٧٣ ]
لا تعبد بعدها في الأرض "ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر - ﵁ -، يشفق عليه من كثرة ابتهاله، وقال: حسبك يا رسول الله: ألححت علي ربك .. فإنه سينجز لك ما وعدك وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء
كما قال الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِين َ﴾ (١) ولما تنزلت الملائكة للنصر ورآهم رسول الله - ﷺ - حين أغفي إغفاءة، ثم استيقظ، وبشر بذلك أبا بكر وقال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل يقود فرسه علي ثناياه النقع (٢) " رواه البخاري.
قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ الّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُواْ الرّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ﴾ (٣).
قال ابن الأنباري: وكانت الملائكة لا تعلم كيف تقتل الآدميين، فعلمهم الله تعالي بقوله ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأعْنَاقِ﴾ أي الرؤوس، ﴿وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ﴾ أي مفصل وقيل: الأصابع.
وهذا ابن أسيد مالك بن ربيعة - ﵁ - وكان ممن شهد بدرًا، قال بعد أن ذهب بصره: لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب
_________________
(١) سورة الأنفال - الآية ٩.
(٢) أي: الغبار.
(٣) سورة الأنفال - الآية ١٢.
[ ٧٤ ]
الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتماري.
وعن ابن عباس ﵂ قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيضًا، قد أرخوها علي ظهورهم، إلا جبريل، فإنه كانت عليه عمامة صفراء.
وأخذت الملائكة تقاتل معهم وتأسر المشركين.
وعن علي - ﵁ - قال: بينما أنا أمتح من قليب بدر جاءت ريح شديدة ما رأيت مثلها قط، ثم ذهبت، ثم جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة، قال: فكانت الريح الأولي جبريل - ﷺ - نزل في ألف من الملائكة، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله - ﷺ -، وكان أبو بكر عن يمينه، وكانت الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله - ﷺ - وأنا في الميسرة، فلم هزم الله تعالي أعداءه حملني رسول الله - ﷺ - علي فرسه فجمزت بي، فلما جمزت خررت علي عنقها فدعوت ربي فأمسكني، فلما استويت عليها طعنت بيدي هذه في القوم حتى خضبت هذا، وأشار إلى إبطه. رواه أبو يعلي والحاكم والبيهقى.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قال يوم بدر: هذا جبريل أخذ برأس فرسه وعليه أداة الحرب. رواه البخاري والبيهقى.
وعن علي - ﵁ - قال: قيل لي ولأبي بكر يوم بدر، قيل لأحدنا: معك
[ ٧٥ ]
جبريل، وقيل للآخر: معك ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل يكون في الصف. رواه الإمام أحمد والبزار والحاكم برجال الصحيح.
وعن ابن عباس عن رجل من بني غفار قال: حضرت أن وابن عم لي بدرًا ونحن علي شركنا، فإنا لفي جبل ننظر الوقعة علي من تكون الدبرة فننتهب، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل سمعنا فيها حمحمة وسمعنا فيها فارسًا يقول: أقدم حيزوم، فأما صاحبي فانكشف قناع قلبه فمات، وأما أنا فكدت أهلك ثم انتعشت بعد ذلك. رواه ابن إسحاق وابن جرير.
وعن ابن عم له قال: بينا أنا وابن عم علي ماء ببدر فلما رأينا قلة من مع محمد، وكثرة قريش قلنا: إذا التقت الفئتان عمدنا إلى عسكر محمد وأصحابه فانطلقنا نحو المجنبة اليسرى من أصحابه، ونحن نقول: هؤلاء ربع قرش، فبينا نحن، نمشي في الميسرة إذ جاءت سحابة فغشيتنا فرفعنا أبصارنا إليها، فسمعنا أصوات الرجال والسلاح، وسمعنا رجلا يقول لفرسه: أقدم حيزوم، وسمعناهم يقولون: رويدا تتام أمراكم، فنزلوا علي ميمنة رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فإذا هم علي الضعف من قريش، فمات ابن عمي، وأما أنا فتماسكت، وأخبرت النبي - ﷺ - وأسلمت. رواه محمد بن عمر الأسلمي عن أبي رهم الغفاري.
وعن ابن عباس ﵂ قال: بينما رجل من المسلمين
[ ٧٦ ]
يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا فنظر إليه هو قد خُطم أنفه وشق وجهه، كضربة السوط فاخضر ذلك الموضع أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة. رواه مسلم وابن مردوية.
وعن خارجة بن إبراهيم قال: قال رسول الله - ﷺ - لجبريل: " من القائل يوم بدر من الملائكة: أقدم حيزوم؟ فقال جبريل: ما كل أهل السماء أعرف.
وروي إبراهيم الحربي، عن أبي سفيان بن الحارث قال: لقينا يوم بدر رجالًا بيضًا علي خيل بلق بين السماء والأرض. رواه البيهقى.
وعن سهل من عمرو - ﵁ - قال: لقد رأيت يوم بدر رجالًا بيضًا علي خيل بلق بين السماء والأرض، معلمين يقتلون ويأسرون " رواه البيهقي وابن عساكر.
وعن سهيل بن حنيف قال: لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك، فيقع رأسه قبل أن يصل إليه. رواه الحاكم وصححه البيهقي وأبو نعيم.
وعن الربيع بن أنس قال: كان الناس يعرفون قتلي الملائكة ممن
[ ٧٧ ]
قتلوه بضرب فوق الأعناق وعلي البنان مثل سمة النار قد
احترق. رواه البيهقي.
وعن حويطب بن عبد العزي، قال: لقد شهدت بدرًا مع المشركين فرأيت عبرًا، رأيت الملائكة تقتل وتأسر بين السماء والأرض. رواه ابن سعد.
وعن حكيم بن حزام قال: لقد رأيتنا يوم بدر وقد وقع بوادي خلص بجاد من السماء قد سد الأفق، فإذا الوادي يسيل نملا فوقع في نفسي أن هذا شيء أيد به محمد - ﷺ - فما كانت إلا الهزيمة، وهي الملائكة. رواه البيهقى
وعن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة القوم، والناس يقتلون، مثل البجاد الأسود مبثوث، حتى امتلأ الوادي فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم. رواه ابن راهوية وأبو نعيم والبيهقى بسند حسن.
وعن عبد الرحمن بن عوف قال: رأيت يوم بدر رجلين: عن يمين النبي أحدهما، وعن يساره أحدهما، يقاتلان أشد القتال، ثلَّثهما ثالث من خلفه، ثم ربَّعهما رابع أمامه. رواه محمد بن عمر الأسلمي وابن عساكر
وعن السائب بن أبي حبيش - ﵁ - أنه كان يقول: والله ما أسرني أحد من الناس، فيقال: فمن؟ فيقول: لما انهزمت قريش انهزمت
[ ٧٨ ]
معها فيدركني رجل أبيض طويل علي فرس أبلق بين السماء والأرض، فأوثقني رباط، وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا، فنادي في العسكر: من أسر هذا؟ فليس أحد يزعم أنه أسرني، حتى انتهي بى رسول الله - ﷺ - فقال: " يا بن أبي حبيش من أسرك "، فقلت: لا أعرفه وكرهت أن أخبره بالذي رأيت، فقال: أسرك ملك من الملائكة. رواه البيهقي.
وعن أبي بردة بن دينار - ﵁ - قال: جئت رسول الله - ﷺ - يوم بدر بثلاثة رؤوس فقلت له: يا رسول الله: أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيت رجلًا أبيض طويلًا ضربه فتدهدي أمامه، فأخذت رأسه فقال رسول الله - ﷺ -: ذاك فلان من الملائكة. رواه محمد بن عمر الأسلمي والبيهقى.
وعن ابن عباس، والبيهقى عن علي ﵂، قال: كان الذي أسر العباس رجلًا جسيمًا، فقال رسول الله - ﷺ -: " يا أبا اليسر كيف أسرت العباس: قال: يا رسول الله: أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئه كذا وكذا، فقال رسول الله - ﷺ - " لقد أعانك عليه ملك كريم. رواه الإمام أحمد وابن سعد وابن جرير.
وعن عكرمة قال: كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربه. رواه ابن سعد.
وعن أبي واقد الليثي قال: إني لأتبع يوم بدر رجلا من المشركين
[ ٧٩ ]
لأضربه فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري قتله. رواه ابن إسحاق والبيهقي.
وعن حمزة بن صهيب عن أبيه قال: ما أدري كم يد مقطوعة أو ضربة جائفة لم يدم كلمها يوم بدر، وقد رأيتها. رواه البيهقي.
وعن أبي دارة قال: حدثني رجل من قومي من بني سعد بن بكر قال: إني لمنهزم يوم بدر إذ أبصرت رجلًا بين يَديَّ منهزما، فقلت: ألحقه فأستأنس به، فتدلي من جرف ولحقته، فإذا رأسه قد زايله ساقطا، وما رأيت قربه أحدًا. رواه أبو نعيم.
وعن جابر قال: كنا نصلي مع الرسول - ﷺ - في غزوه بدر إذ تبسم في صلاته، فلما قضي صلاته قلنا: يا رسول الله! رأيناك تبسمت، قال: مر بي ميكائيل وعلي جناحه أثر الغبار، وهو راجع من طلب القوم، فضحك إلىًّ فتبسمت إليه. رواه أبو يعلي
وعن عطية ين قيس قال: لما فرغ رسول الله - ﷺ - من قتال بدر جاء جبريل علي فرس أنثي أحمر، عليه درعه، ومعه رمحه، فقال: يا محمد، إن الله بعثني إليك وأمرني ألا أفارقك حتى ترضي، هل رضيت؟ قال: " نعم رضيت "، فانصرف. رواه ابن سعد وأبو الشيخ.
وعن رفاعة بن رافع الزرقي قال: جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قلنا: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها
[ ٨٠ ]
قال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة. رواه البخاري (١).