صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله بحكم هوَ أتى به من عنده.
بمعنى أنه هو الذي اخترع ذلك الحكم أو القانون، ولا يكون مستحلًا، ولا جاحدًا، ولا مكذبًا، ولا مفضلًا، ولا مساويًا، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.
حكمها: الكفر الأصغر (= لا تخرج من ملة الإسلام).
دليل ذلك: عدم وجود دليل يوجب تكفيره، فالشريعة لم تعلق الكفر الأكبر على مصدر الحكم، كما أن الأدلة لم تفرق بين من حكم بحكم غيره ومن حكم بحكم نفسه.
* أقول: ولو كان هذا التفريق حقًا لما أغفلته الشريعة، ولورد في الأدلة الشرعية ما يعضده.
وتتعلق بهذه الحالة أربع مسائل
[ ٦٠ ]
المسألة الأولى:
أن الحاكم المخترِع للأحكام المخالفة للشريعة قد يكون أشد جرمًا من الحاكم الذي لم يفعل ذلك، ولكن محل البحث هو الكفر الذي لا دليل عليه، لا في تحقيق الأشد أو الأخف جرمًا.
المسألة الثانية:
استدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بأن اختراعه لذلك القانون يُعد منازعة لله تعالى في شيء من خصائصه وهو: التشريع.
* أقول: والحق أن يُفصَّل في حاله، وذلك لأن المقنِّن لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يقوم بالعمل ويدعي لنفسه حق التشريع بالتصريح لا بمجرد الفعل؛ فهذا كافر الكفر الأكبر بلا شك؛ لأنه مستحل لأمر حرمه الله تعالى.
الحالة الثانية: أن يقوم بالعمل ولا يدعي لنفسه ذلك؛ فهذا لا يكفر لثلاثة أمور:
[ ٦١ ]
١. لا دليل على كفره.
٢. عدم تكفير أهل السنة لصديق السوء الذي يقنن للذنب ويزينه ويدعو له .. فهو كافر عند من قرر هذا، مع أنه لا يكفر باتفاق أهل السنة.
٣. عدم تكفير أهل السنة للمصورين الذين لا يستحلون التصوير المحرم، فقد قال الله عنهم في الحديث القدسي: " من أظلم ممَّن ذهب يخلق كخلقي؟ " (البخاري ٥٩٥٣، مسلم ٥٥٠٩). وقال عنهم الرسول ﷺ: " أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله " (البخاري ٥٩٥٤، مسلم ٥٤٩٤). ولا فرق بينهما؛ إذ المصور جعل نفسه خالقًا مع الله، والمشرع جعل نفسه مشرعًا مع الله، فمن كفر المشرع مع الله فليكفر الخالق! سواء بسواء .. فالمصور كافر عند من قرر هذا، مع أنه لا يكفر باتفاق أهل السنة.
* أقول: واتفاق أهل السنة على عدم كفر صديق السوء والمصور دليل قاطع على ما قررته آنفًا. فاحفظه فإنه مهم.
[ ٦٢ ]
المسألة الثالثة:
استدل بعضُ الفضلاء على التكفير بهذه الحالة بأن المقنن أصبح طاغوتًا يتحاكم إليه من دون الله، وهذا الاستدلال غير صحيح وبيان خطإه من وجهين:
الوجه الأول: أنه مبني على مقدمة غير صحيحة، وهي القول بأن الطاغوت لا يكون إلا كافرًا! وبرهان خطإ هذه المقدمة من ثلاث جهات:
١. أن الطاغوت يطلق على: (كل رأس في الضلالة)، وذلك أنه مشتق من الطغيان الذي هو: مجاوزة الحد.
قال القرطبي ﵀: " أي: اتركوا كل معبود دون الله؛ كالشيطان، والكاهن، والصنم، وكل من دعا إلى الضلال " (تفسيره ٥/ ٧٥، تحت قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦]).
وقال الفيروز آبادي ﵀: " والطاغوت: وكل رأس ضلال، والأصنام، وما عبد من دون الله، ومردة أهل الكتاب " (القاموس المحيط ٤/ ٤٠٠، طغا).
[ ٦٣ ]
* أقول: فالطغيان - إذًا - قد يكون مكفرًا وقد لا يصل لحد الكفر، ولذلك قال ابن باز ﵀: " فحدّك أن تكون عبدًا مطيعًا لله، فإذا جاوزتَ ذلك فقد تعدّيتَ وكنتَ طاغوتًا بهذا الشيء الذي فعلته .. فقد يكون كافرًا وقد يكون دون ذلك " (شرح ثلاثة الأصول، الشريط ٢، الوجه ب، إصدار تسجيلات " البردين " بالرياض).
٢. أن مِن أهل العلم مَن وصف أحدًا بأنه طاغوت بمجرد أن يُتَجَاوَز به الحد، بدون النظر للموصوف نفسه:
(أ). لأنهم عرّفوا الطاغوت بأنه: " كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع " قاله ابن القيم ﵀ (أعلام الموقعين ١/ ٥٠).
وعلق عليه ابن عثيمين ﵀ بقوله: " ومراده: من كان راضيًا. أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابده وتابعه ومطيعه؛ لأنه تجاوز به حدّه حيث نزّله فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادته لهذا المعبود واتباعه لمتبوعه وطاعته لمطاعه: طغيانًا؛ لمجاوزته الحد بذلك " (القول المفيد ١/ ٣٠).
[ ٦٤ ]
* أقول: فلا يلزم من الوصف بالطاغوتية أن يكون الموصوفُ كافرًا؛ لاحتمال أن يكون طاغوتًا باعتبار من اتخذوه لا بالنظر له هو.
(ب). كما أنهم وصفوا الجمادات المعبودة من دون الله بأنها طواغيت، ومن المعلوم بداهة أن الجمادات لا توصف بالإسلام الذي هو نقيضُ الكفر.
قال ابن الجوزي ﵀: " وقال ابن قتيبة: كل معبود؛ من حجر أو صورة أو شيطان: فهو جبت وطاغوت. وكذلك حكى الزجاج عن أهل اللغة " (نزهة الأعين النواظر ص ٤١٠، باب الطاغوت).
وقال ابن تيمية ﵀: " وهو اسم جنس يدخل فيه: الشيطان والوثن والكهان والدرهم والدينار وغير ذلك " (الفتاوى ١٦/ ٥٦٥).
* أقول: فلو كان كل طاغوت كافرًا لما ساغ وصف الجمادات به.
٣. إطلاق أهل العلم وصف الطاغوت على أهل الذنوب غير المكفرة.
[ ٦٥ ]
قال الراغب الأصفهاني ﵀: " الطاغوت عبارة عن: كل متعدٍّ وكل معبود من دون الله ولما تقدم: سُمّي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير: طاغوتًا " (المفردات ص ١٠٨، طغى).
وقال محمد بن عبد الوهاب ﵀: " والطواغيت كثيرة، والمتبين لنا منهم خمسة: أولهم الشيطان وحاكم الجور وآكل الرشوة ومن عُبد فرضي والعامل بغير علم " (الدرر السنية ١/ ١٣٧).
وقال ابن عثيمين ﵀: " وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر أو يدعون إلى البدع أو إلى تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله: طواغيت " (شرح ثلاثة الأصول ص ١٥١).
* أقول: فلو كان كل طاغوت كافرًا لما جاز لهم هذا الإطلاق، أو للزم منه
أن يكونوا مكفرين بالذنوب.
الوجه الثاني: يلزم منه تكفير من اتفق أهل السنة على عدم تكفيره، وهو من قنن للذنب؛ إذ لا فرق - في التقنين - بين من قنن الذنب وبين من قنن الحكم بغير ما أنزل الله، إذ الكل
[ ٦٦ ]
واقع في تقنين أمرٍ محرم.
مثاله: عصابة نذرت نفسها لقطع الطريق وجعلت عليها رئيسًا ورسمت لنفسها
نظامًا، فكان هذا الرئيس هو الذي يدعوهم وينظم لهم الاعتداء وقطع السبيل وإخافة المسلمين فيمتثلون، وهو الذي يأمرهم فيأتمرون وينهاهم فينتهون؛ فهذا الرجل أصبح مقننًا للذنب، مع أنه ليس بكافر.
* أقول: ولو كان الأصل الذي بُني عليه التكفير بالتقنين صحيحًا لوجب تكفير مثل هذا، مع أنه من أصحاب الذنوب الذين اتفق أهل السنة على عدم تكفيرهم.
المسألة الرابعة:
مع أن هذه الحالة من أشد الحالات نزاعًا بين طلاب العلم، إلا أن علماء العصر
الثلاثة: ابن باز والألباني وابن عثيمين ﵏ اتفقوا على عدم التكفير بها.
قال ابن باز ﵀: " فإذا سن قانونًا يتضمن أنه لا حد على الزاني، أو لا حد على السارق : فهذا قانون باطل، وإذا استحله الوالي كفر " (الفتاوى ٧/ ١٢٤).
[ ٦٧ ]
وانظر كلام الألباني ﵀ بعدم تكفير من شرع القانون إلا إن استحله، في " سلسلة الهدى والنور " (الشريط ٨٤٩، الدقيقة ٧٢).
وقال ابن عثيمين ﵀: " الحكم بغير ما أنزل الله ليس بكفر مخرج عن الملة، لكنه كفر عملي [= أصغر]؛ لأن الحاكم بذلك خرج عن الطريق الصحيح. ولا يفرّق في ذلك بين الرجل الذي يأخذ قانونًا وضعيًا من قبَل غيره ويحكمه في دولته وبين من ينشيء قانونًا ويضع هذا القانون الوضعي؛ إذ المهم هو هل هذا القانون يخالف القانون السماوي؟ أم لا؟ (^١) " (فتنة التكفير ص ٢٥، حاشية ١).