صورتها: أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى ويزعم أن ما حكم به هو حكم الله.
حكمها: اتفقوا على أن هذه الحالة مكفرة الكفر الأكبر.
دليل ذلك: الإجماع، قال ابن تيمية ﵀: " والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء " (الفتاوى ٣/ ٢٦٧).
وتتعلق بهذه الحالة ست مسائل
[ ٤٣ ]
المسألة الأولى:
الكفر في هذه الحالة له تعلق بحالة الجحود؛ فإن نسبته حكمَه إلى حكم الله تعالى تتضمن جحده حكم الله تعالى الذي تركه.
المسألة الثانية:
يكون الحاكم كافرًا في هذه الحالة ولو بدل في مسألة واحدة، أو مرة واحدة، فلا عبرة بالعدد؛ لأن الإجماع لم يُقيَّد بذلك، ولا يصح تقييد الدليل بلا دليل.
المسألة الثالثة:
يخطئ من يظن أن التبديل لا يلزم فيه نسبة الحكم الجديد للدِّين، وبيان ذلك من أربعة أوجه:
الوجه الأول: قال ابن العربي - ونقله الشنقيطي عن القرطبي مُقرًّا له -: " إنْ حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر " (أحكام القرآن ٢/ ٦٢٥)، (أضواء البيان ١/ ٤٠٧).
[ ٤٤ ]
الوجه الثاني: قال ابن تيمية ﵀: " الشرعُ المبدَّل: وهو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البيِّن، فمن قال: (إن هذا من شرع الله) فقد كفر بلا نزاع " (الفتاوى ٣/ ٢٦٨).
* أقول: فقد فسر المبدل بأنه الحكم المزعوم بأنه من عند الله، وسماه كذبًا على الله ورسوله، ونص على قول الزاعم: (هذا من شرع الله).
الوجه الثالث: لو كان التغيير المجرد هو التبديل للَزِم من هذا تعارض إجماعين:
١. الإجماع على كفر المبدل، وهو إجماع مطلق لا قيد فيه، قال ابن تيمية ﵀: " والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء " (الفتاوى ٣/ ٢٦٧).
٢. الإجماع على عدم كفر من جار في الحكم، قال ابن عبد البر ﵀: " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالمًا به " (التمهيد ١٦/ ٣٥٨).
[ ٤٥ ]
* أقول: فوجب القطع بأن صورة التبديل ليست استبدالًا مجردًا، لإطلاقهم الإجماع على التكفير بالتبديل، مع إجماعهم على عدم التكفير بالجور الذي هو استبدال مجرد من نسبة الحكم الجديد للدين. فاحفظ هذا فإنه مهم.
الوجه الرابع وله تعلق بما قبله: لو لم يكن التبديل غير الاستبدال، للزِم من هذا تكفير أصحاب الذنوب، كحالق اللحية ومسبل الإزار خيلاء؛ لأن كل واحد منهم قد قام بالاستبدال؛ حيث أبدل حكم الله بحكم هواه.
قال ابن حزم ﵀: " فإن الله ﷿ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]؛ فلْيُلزَم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله " (الفصل ٣/ ٢٧٨).
[ ٤٦ ]
المسألة الرابعة:
اعترض بعضُ الفضلاء على تقرير صورة التبديل على النحو الذي تقدم بأنه لا وجود للتبديل بهذه الصورة، وهذا الاعتراض مردودٌ لأمرين:
١. أما القول بعدم وجوده الآن فقد يكون له حظ من الصواب، وأما القول بعدم وجوده مطلقًا فلا يستقيم؛ وذلك أنه وقع من اليهود تحميم الزاني (= تسويْد وجهه بالفحم) مع ترك إقامة الحد عليه، فقد سألهم النبي ﷺ: " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " قالوا: نفضحهم، ويجلدون (البخاري ٣٦٣٥)، وفي لفظ: " لا تجدون في التوراة الرجم؟ " قالوا: لا نجد فيها شيئًا (البخاري ٤٥٥٦)، ولما قرأ قارؤهم من التوراة وضع يده على آية الرجم، وقرأ ما قبلها وما بعدها (البخاري ٤٥٥٦)، فقد جحدوا حكم الله تعالى، وأتوا بحكم آخر مكانه، وزعموا أن ما جاؤوا به هو حكم الله تعالى.
[ ٤٧ ]
٢. ليست الغاية أن تنزل صورة التبديل على الحكام المعاصرين ولو بتغيير صورة المسألة! بل المراد ضبط الصورة التي قصدها أهل العلم المتقدمون وحكوا الإجماع على التكفير بها ولو كانت قليلة الوقوع أو نادرة أو حتى معدومة.
المسألة الخامسة:
استشهد بعضُ من يخالف في تقرير صورة التبديل بقول البخاري ﵀: " فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله ﷺ في الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين " (" صحيحه " قبل الحديث رقم ٧٣٦٩).
والحق أن هذا الاستشهاد لا يستقيم؛ لأن البخاري أراد قومًا وقعوا في التبديل بالمعنى الذي قررته؛ حيث زعموا أن ترك الزكاة من الدين، واستدلوا على أن الزكاة لا تُؤدَّى إلا للرسول ﷺ بقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة ١٠٣].
وبرهان ذلك فيما قال ابن حجر ﵀: " قال القاضي عياض وغيره: كان أهل الردة ثلاثة أصناف وصنف ثالث
[ ٤٨ ]
استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي ﷺ، وهم الذين ناظر عمرُ أبا بكر في قتالهم كما وقع في حديث الباب " (فتح الباري ١٢/ ٢٨٨، قبل الحديث رقم ٦٩٢٤).