قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥].
فإن قيل: إن الله نفى الإيمان عمن لم يحكّم الشريعة، وهذا يقتضي الكفر.
فالجواب: أن المنفي هو كمال الإيمان لا أصله (= لا كله)، فالآية تحكم بنقص الإيمان لا بزواله.
وبيان ذلك: أن نفي الإيمان جاء في الشريعة وأريد به نفي الكمال لا نفي الأصل.
ومن أمثلة ذلك: قوله ﷺ: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (البخاري ١٣، مسلم ١٦٨). وقوله ﷺ: " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ". قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: " الذي لا يأمن جاره بوائقه " (البخاري ٦٠١٦).
[ ١١٨ ]
* أقول: فإذا عرفت أن نفي الإيمان يأتي في الشريعة ويراد به نفي الكمال، وعرفت أن هذا الاحتمال يوجب التأنّي في التكفير بهذه الآية؛ فاعلم أنه جاء ما يصرف الإيمان المنفي في الآية من الأصل إلى الكمال، ومن هذه الصوارف صارفان اثنان:
الصارف الأول: أن نفي الإيمان في الآية جاء في حق ثلاثة:
١. من لم يحكّم الرسول ﷺ.
٢. من وجد في نفسه شيئًا على حكم الرسول ﷺ.
٣. من لم يسلّم بحكم الرسول ﷺ.
* أقول: فمن جعل المنفي هو أصل الإيمان (= كله!) لزمه أن يكفر هؤلاء الثلاثة، مع أنه جاء ما يدل على عدم كفر الثاني والثالث، ومن هذه الأدلة دليلان ظاهران:
أما أولهما فما قال أنس بن مالك ﵁: لمّا فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب! إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم! فبلغ ذلك
[ ١١٩ ]
رسول الله ﷺ فجمعهم، فقال: " ما الذي بلغني عنكم؟ ". قالوا: " هو الذي بلغك "، وكانوا لا يكذبون. قال: " أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس واديًا أو شِعْبًا وسلكت الأنصار واديًا أو شعبًا؛ لسلكتُ وادي الأنصار أو شعب الأنصار " (البخاري ٣٧٧٨، مسلم ٢٤٣٧). قالوا: " يا رسول الله؛ قد رضينا " (البخاري ٤٣٣١، مسلم ٢٤٣٨) .. فرضي الله عن الأنصار وعن جميع أصحاب النبي ﷺ وأرضاهم، فما أبرهم وأصدق إيمانهم وأحبهم لرسول الله ﷺ.
وأما ثانيهما فحديث عائشة ﵂: أن أزواج النبي ﷺ جئنه يناشدنه العدلَ في بنت أبي قحافة (= عائشة ﵂) (البخاري ٢٥٨١، مسلم ٦٢٤٠) .. فرضي الله عن زوجات النبي ﷺ وأرضاهن.
* أقول: فإن كان المنفي عن الثاني والثالث هو الكمال؛ فلا بد أن يكون كذلك في حق الأول، وإن كان الثاني والثالث لا يكفران؛ فالأول كذلك سواء بسواء؛ لأن الوعيد الوارد في حقهم واحد.
وإنْ قارنتَ هذا بقول ابن تيمية ﵀: " وهذه الآية مما
[ ١٢٠ ]
يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله " (منهاج السنة ٥/ ١٣١) فقد تجلّى لك الأمر.
الصارف الثاني وفيه مبحث دقيق: أن الآية نزلت في رجل أنصاري بدري، والبدريون محفوظون من الوقوع في الكفر الأكبر، وذلك أنه جرت بين الزبير وذاك الرجل ﵄ خصومة، فقضى النبي ﷺ بقضاء أغضب الأنصاري فقال: أنْ كان ابن عمّتك؟! (أخرج القصة البخاري: ٢٣٥٩، ٢٣٦٢، ٢٧٠٨، ٤٥٨٥، ومسلم ٦٠٦٥، وأبو داود ٣٦٣٧، والترمذي ١٣٦٣، والنسائي ٥٤٣١).
فانظر كيف غضب ذلك البدري ﵁ ولم يقع منه التسليم الكامل بقضاء النبي ﷺ في ذلك الأمر؟
قال ابن باز ﵀ تعليقًا على قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]:
" فمن زعم أنه يجوز الحكم بغيرها [أي: الشريعة]، أو قال: (إنه يجوز أن يتحاكم الناس إلى الآباء)، أو: (إلى الأجداد)، أو: (إلى القوانين الوضعية التي وضعها الرجال)، سواء كانت
[ ١٢١ ]
شرقية أو غربية، فمن زعم أن هذا يجوز فإن الإيمان منتف عنه، ويكون بذلك كافرًا كفرًا أكبر أما الذي يرى أن الواجب تحكيم شرع الله، وأنه لا يجوز تحكيم القوانين ولا غيرها مما يخالف شرع الله، ولكنه قد يحكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه ضد المحكوم عليه، أو لرشوة، أو لأمور سياسية، أو ما أشبه ذلك من الأسباب، وهو يعلم أنه ظالم ومخطئ ومخالف للشرع؛ فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد انتفى في حقه كمال الإيمان وهو بذلك كافر كفرًا أصغر، وظالم ظلمًا أصغر، وفاسق فسقًا أصغر " (الفتاوى ٦/ ٢٤٩).
بل قال ابن تيمية ﵀: " كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه
[ ١٢٢ ]
الغاية؛ دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وُعِد أهله بدخول الجنة بلا عذاب " (الفتاوى ٧/ ٣٧).
وقال ﵀: " فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض واجباته كقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] " (الفتاوى ٢٢/ ٥٣٠).
فإن قيل: فما الدليل على حفظ الله لأهل بدر من الوقوع في الكفر؟
فالجواب: أن الله تعالى قد أوجب لهم الجنة، كما في قصة حاطب ﵁ إذ قال النبي ﷺ في حقهم: " لعل الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة " (البخاري ٦٩٣٩).
* أقول: فمن لم يقل بخصوصيتهم وحفظ الله لهم من الوقوع فيما يخرج من ملة الإسلام؛ فقد أوجب تعارض الحديث مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
[ ١٢٣ ]
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨، ١١٦]، وذلك أن الكفر والشرك الأكبرين لا يغفران، وأن الله أوجب لأهل بدر الجنة.
فإن قيل: ألا يحتمل أن يقع أحد من أهل بدر في الكفر لكنه يُوفّق للتوبة من ذلك الكفر فيموت على التوبة فيدخل الجنة، فلا تتعارض النصوص؟
فالجواب من وجهين:
١. أن الله قد غفر لأهل بدر، ولم يُقيِّد ذلك الغفران بالتوبة، والواجب إعمال هذه الفضيلة في حقهم على إطلاقها وعدم تقييد ما أطلقه الله تعالى.
٢. ولو قيل بهذا لعطّلنا تلك الفضيلة! ولما كان لشهودهم بدرًا مزية! وذلك أن أهل العلم متفقون على أن جميع الذنوب - حتى الكفر - تغفر بالتوبة. ولو كان ذنب أهل بدر مغفورًا لهم إذا تابوا منه! لما كان لذلك الفضل ما يميّزهم عن غيرهم.
[ ١٢٤ ]
وأختم هذا المبحث بقول ابن تيمية ﵀: " قوله لأهل بدر ونحوهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم): إن حُمِل على الصغائر، أو على المغفرة مع التوبة: لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد عُلم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة؛ لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفَّرة باجتناب الكبائر " (الفتاوى ٧/ ٤٩٠).
فإن قيل: إن الآية تنفي الإيمان عمن لم يتحاكم إلى الشريعة ولا يلزم من ثبوت هذا الحكم أن يكفر ذلك الصحابي لأن الحكم على المعيَّن له شروط وموانع.
فالجواب: أن هذا الصحابي المعيَّن له تميّز على غيره بأن النص قد نزل فيه ولا وجه لتفسير الآية بدون النظر فيمن نزلت، فمع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أنه لا خلاف في دخول من نزل فيه النصُّ دخولًا أوَّليًا.
قال ابن تيمية ﵀: " والآية التي لها سبب معين؛ إن كانت أمرًا أو نهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبرًا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته أيضًا " (الفتاوى ١٣/ ٣٣٩).
[ ١٢٥ ]
وقال ابن القيم ﵀: " فلا يخرج محلُّ السبب عن الحكم، ويتعلق بغيره " (زاد المعاد ٥/ ٣١٧).
بل قد نقل الزركشي ﵀ حكاية بعضهم الإجماع على ذلك فقال: " فإن محلَّ السبب لا يجوز إخراجه بالاجتهاد بالإجماع كما حكاه القاضي أبو بكر في مختصر التقريب؛ لأن دخول السبب قطعي " (البرهان ١/ ١١٧).