قال ابن كثير ﵀ مُعلِّقًا على بعض ما في كتاب التتار (= الياسا = الياسق)
من أحكام: " وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرعَ المحكم المنزّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر. فكيف بمن
[ ١٣٩ ]
تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين " .. (البداية والنهاية ١٣/ ١٢٨، حوادث سنة ٦٢٤ هـ).
فإن قيل: فهذا فيه الإجماع على كفر من ترك الشريعة وتحاكم لغيرها.
فالجواب: أن هذا الإجماع إنما هو في حق أحد رجلين:
١. من استحل الحكم بغير ما أنزل الله.
٢. من فضل حكم غير الله على حكم الله.
* أقول: ولا نزاع في كفر المستحل (ص ١١) والمفضل (ص ١٨).
وبرهان ذلك: أن ابن كثير ﵀ إنما حكى الإجماع على كفر التتار ومن فعل كفعلهم، والحالةُ التي وقعوا فيها مكفرة بلا خلاف، وبيان ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنهم استحلوا الحكم بغير ما أنزل الله.
قال ابن تيمية ﵀: " يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، وأن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، ثم منهم من يُرجّح دين اليهود أو دين النصارى، ومنهم من يرجّح دين المسلمين " .. (الفتاوى ٢٨/ ٥٢٣).
[ ١٤٠ ]
الوجه الثاني: أنهم فضلوا حكم غير الله على حكم الله.
قال ابن كثير ﵀ عن كتابهم - والذي يحتوي على الأحكام التي وضعها لهم جنكيز خان -: " وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير " .. (تفسيره ٢/ ٨٨، المائدة ٥٠).
* أقول: ومن تأمل هذا وقال به؛ فقد اتفق عنده كلام ابن كثير ﵀ مع كلام أئمة السنة في نقلهم الإجماع الثابت المتقرر في المستحل والمفضل.
ثم إنه لو كان في ترك الشريعة والتحاكم لغيرها من دون استحلال أو تفضيل إجماع - كما يقول البعض - لرأيت العلماء يتناقلونه ويقررونه سواء منهم من عاصر ابن كثير ﵀ أو من تقدمه، أو حتى من جاء بعده. كيف وقد حكوا
[ ١٤١ ]
الإجماع على خلافه؟! وهو: الإجماع على عدم كفر الجائر، وقد تقدم (ص ٢١).
[ ١٤٢ ]