قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].
فإن قيل: إن الله وصف الحكم بغير الشريعة بأنه حكم الجاهلية؛ وهذا يعني أنه كفر.
فالجواب: إن إضافة الشيء إلى الجاهلية، أو وصفه بأنه من أعمال أهل الجاهلية؛ لا يلزم منها الكفر.
وبرهان ذلك: أن الرسول الله ﷺ قال لأبي ذر ﵁ لمّا عيّر رجلًا: " إنك امرؤ فيك جاهلية " .. (البخاري ٣٠، مسلم ٤٢٨٩). كما وصف أمورًا - اتفق أهل السنة على عدم التكفير بها - بأنها من أعمال الجاهلية، منها: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت .. (مسلم ٢١٥٧).
* أقول: فمن قال بالتلازم بين: النسبة للجاهلية والكفر؛ لزمه التكفير بما اتفق أهل السنة على عدم التكفير به؛ وهو: تعيير المسلم، والطعن في الأنساب، والنياحة.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: " ألا تسمع
[ ١٣٤ ]
قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾
[المائدة ٥٠]؟ تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون، وهكذا قوله: (ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والأنواء) ليس وجوه هذه الآثار كلها - من الذنوب - أن راكبها يكون جاهلًا! ولا كافرًا! ولا منافقًا! ولكن معناها: أنها تتبيَّن من أفعال الكفار، محرّمة منهي عنها في الكتاب والسنة " .. (الإيمان ص ٩٠).
وقال البخاري ﵀: " باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها؛ إلا الشرك، لقول النبي ﷺ: " إنك امرؤ فيك جاهلية " وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨، ١١٦] " .. (" صحيحه " قبل الحديث رقم ٣٠).