اتِّهامات وإلزامات الخصوم لمن قال بمثل ما قال به علماء العصر في المسألة
يطلق البعض على من قال بمثل ما قرره علماء العصر الثلاثة ﵏ شيئًا من الاتهامات، ويحاول البعض
[ ٩٤ ]
إلزام القائل بذلك ببعض اللوازم القبيحة، والجواب عن هذه الاتهامات والإلزامات جوابان؛ مجمل، ومفصّل:
فأما الجواب المجمل
فأولًا: الإجابة عن الاتهامات .. وذلك من ثلاثة أوجه:
١. أن الاتهام الباطل أمر لا يعجز عنه أحد، لكنه مفتقر للبرهان، كغيره من الدعاوى التي لا يعتد بها ما لم تقم على بينات صحيحة.
٢. أنه لم يسلم منه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ولا أتباعهم، فقد نالهم الكثير من الأذى والتشويه والطعن، فلم ينقص من قدرهم ولم يقدح في دعوتهم.
٣. أنه إن كان في سبيل الله تعالى فهو ممدحة ورفعة وليس مذمة وملامة.
قال الشاطبي ﵀: " فتردّد الأمر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس، فلا بد من حصول نحو
[ ٩٥ ]
مما حصل لمخالفي العوائد - لا سيما إذا ادّعى أهلُها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها -؛ إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل. وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح؛ فأدخل في ترجمة الضلّال عائذًا بالله من ذلك؛ إلا أني أوافق المعتاد وأُعَدّ من الموالفين لا من المخالفين. فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئًا " (الاعتصام ص ٣٤).
وثانيًا: الإجابة عن الإلزامات .. وذلك من ثلاثة أوجه:
١. أن لازم القول لا يلزم أن يكون قولًا، بل قد يكون المُلْزَم به قائلًا بخلافه.
٢. أن من نفى عن نفسه قولًا فنسبته إليه باللازم كذب، ولو كان لازم قوله يجعله قائلًا به.
٣. أن نسبة القول بمجرد اللازم نسبة ظنية؛ فلا يُقطع بها، فكيف إذا قابل هذا الظنَّ تصريحٌ بخلافه؟!
[ ٩٦ ]
قال ابن تيمية ﵀: " ولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهبًا، بل أكثر الناس يقولون أقوالًا ولا يلتزمون لوازمها؛ فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقدًا للتعطيل، بل يكون معتقدًا للإثبات ولكن لا يعرف ذلك اللزوم " (الفتاوى ١٦/ ٤٦١).
وقال ﵀: " فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له؛ فهو قوله، وما لا يرضاه؛ فليس قوله، وإن كان متناقضًا فأما إذا نفى هو اللزومَ لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال " (الفتاوى ٢٩/ ٤٢).
وقال ﵀: " وأما قول السائل: هل لازم المذهب مذهب؟ أم ليس بمذهب؟ فالصواب: أن [لازم] مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبًا عليه " (الفتاوى ٢٠/ ٢١٧).
فإن قيل: فكيف تقرر أن لازم القول ليس قولًا وأنت ترد على مخالفيك بالإلزامات؟
فالجواب: أن قائل هذا قد خلط بين أمرين:
١. نسبة لازم القول للمخالف قبل أن يعرفه ويلتزمه؛ وهذا ما لا أقول به.
[ ٩٧ ]
٢. الرد على المخالف ببيان لوازم قوله، وهذا أمر مطلوب.
ولذلك فإن ابن تيمية نفسه من أكثر الناس استعمالًا لِلَّوازم في رده على المخالف؛ ففي بيان فساد القول فوائد؛ منها: إظهار تناقض الخصم، وبيان عجزه، وتوهين قوله، ولعله ينتهي عن قوله إذا عرف لوازمه.
وأما الجواب المفصّل
فيكون بإيراد تلك الاتهامات والإلزامات والجواب عنها .. وهي أربعة