موافقة ما قررته لقول ابن عباس
صحّ عنه ﵁ أنه فسّر الكفر الذي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] بأنه الكفر الأصغر الذي لا ينقل عن الملة (^١)،
فأخرج
_________________
(١) قال ابن تيمية ﵀: " إذا لم نجد التفسيرَ في القرآن ولا في السنة؛ رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك: لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح؛ لا سيما علماؤهم، وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، مثل: عبد الله بن مسعود ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ، وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل "، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار أنبأنا وكيع أنبأنا سفيان عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله - يعنى ابن مسعود -: " نعم ترجمان القرآن ابنُ عباس "، ثم رواه عن يحيى بن داود عن إسحاق الأزرق عن سفيان عن الأعمش عن مسلم بن صبيح أبى الضحى عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: " نعم الترجمان للقرآن ابنُ عباس "، ثم رواه عن بندار عن جعفر ابن عون عن الأعمش به كذلك، فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة، وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح وعُمِّر بعده ابنُ عباس ستًا وثلاثين؛ فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟، وقال الأعمش عن أبى وائل: استخلف عليٌّ عبدَ الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة (وفى رواية: سورة النور) ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا " (الفتاوى ١٣/ ٣٦٤) ..
[ ٨٨ ]
عبد الرزاق في " تفسيره " عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس ﵁ أنه قال: " هي به كفر "، قال ابن طاووس ﵀: " وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله " (١/ ١٨٦/٧١٣) .. وهذا إسناد صحيح لا مطعن فيه.
وتتعلق بهذا الفصل ثلاث مسائل
المسألة الأولى:
فسّر البعضُ قوله: " هي به كفر "؛ بالكفر الأكبر،
[ ٨٩ ]
وهذا خطأ لأربعة أمور:
١. جاء عن النبي ﷺ مثل هذا، وقد أجمع أهل السنة على أنه كفر
أصغر؛ وذلك في قوله: " اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة على الميت " (مسلم ٢٢٤)، فإجماعهم على أن الكفر في الذي الحديث هو الكفر الأصغر؛ دليل على أن الكفر الذي في أثر ابن عباس كذلك، فاحفظه فإنه مهم.
٢. ثبوت تفسير الكفر الذي في الآية بالكفر الأصغر عن اثنين من أصحاب ابن عباس ﵁ (= طاووس وعطاء رحمهما الله)، وقد تقدم (ص ٤١)، ومذهب الصحابي يُعْرَف من مذهب أصحابه.
٣. تفسير ابن طاووس ﵀ الكفر بأنه الأصغر، والراوي أعلم بمَرْويِّه من غيره.
٤. لم يحك أحد من أهل العلم عن ابن عباس القول بالكفر الأكبر، بل فهموا منه أنه يريد الكفر الأصغر، فمخالفتهم شذوذ وتحريف وإتيان بفهم لا يعرفه أهل العلم.
[ ٩٠ ]
المسألة الثانية:
زعم البعضُ أن قول ابن طاووس ﵀: " وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله " يحتمل الكفر الأكبر، ولكنه كفر أكبر دون الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا خطأ لثلاثة أمور:
١. أن الكفر درجات، وهذا أمر معلوم بداهة، ومن اللغو أن يحمل قول ابن طاووس ﵀ على تقرير أمرٍ بدهي ليس محل خلاف.
٢. أن الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ أشد درجات الكفر ولا يكاد يكون
في الوجود كفر أكبر إلا وهو دونه، فلو لم يكن مراده الكفر الأصغر لكان كلامه عبثًا؛ لأنه لا يقرر أمرًا ذا أهمية.
٣. ثبوت تفسير الكفر الذي في الآية بالكفر الأصغر عن أبيه (= طاووس) وقد تقدم (ص ٤١)، فلا يبعد أن يكون تلقاه من أبيه ثم قال به.
[ ٩١ ]
المسألة الثالثة:
روي أثر ابن عباس ﵄ بلفظ: " إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، كفر دون كفر "، وقد تعاقب أهل العلم على تصحيح هذه الرواية، وتأكيد نسبتها، ومنهم من احتج بها، ومنهم من أخذها رأيًا له وقال بها.
فصححها الحاكم، ووافقه الذهبي (" المستدرك " مع " التلخيص " ٢/ ٣١٣/٣٢١٩)، كما صححها الألباني رحم الله الجميع (السلسلة الصحيحة ٦/ ١١٣، تحت الحديث رقم ٢٥٥٢).
وقال ابن تيمية ﵀: " وإذا كان مِن قول السلف: (إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق)، فكذلك في قولهم: (إنه يكون فيه إيمان وكفر) ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قالوا: كفروا كفرًا لا ينقل عن الملة، وقد اتبعهم على ذلك: أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة " (الفتاوى ٧/ ٣١٢).
وقال ﵀: " وقال ابن عباس وغير واحد من السلف
[ ٩٢ ]
في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٥] و﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٧]: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم، وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري " (الفتاوى ٧/ ٥٢٢).
وقال ﵀: " وقد يكون مسلمًا وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام
بالكلية، كما قال الصحابة - ابن عباس وغيره -: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف، وهو الذي نص عليه أحمد وغيره كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قالوا: كفر لا ينقل عن الملَّة وكفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم " (الفتاوى ٧/ ٣٥٠).
وقال ابن القيم ﵀ عن الكفر الأصغر: " وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. وكذلك قال طاووس. وقال عطاء: هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق " (مدارج السالكين ١/ ٣٤٥).
[ ٩٣ ]
وقال ابن باز ﵀: " يكون كافرًا كفرًا أصغر وظالمًا ظلمًا أصغر وفاسقًا فسقًا أصغر، كما صح معنى ذلك عن ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف " (الفتاوى ٦/ ٢٥٠).
وقال ابن عثيمين ﵀: " لكنْ لمّا كان هذا لا يرضي هؤلاء المفتونين بالتكفير صاروا يقولون: (هذا الأثر غير مقبول، ولا يصح عن ابن عباس)! فيقال لهم: كيف لا يصح وقد تلقّاه مَن هو أكبر منكم وأفضل وأعلم بالحديث؟ وتقولون: (لا نقبل)؟! فيكفينا أن جهابذة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما تلقّوه بالقبول ويتكلمون به وينقلونه. فالأثر صحيح " (فتنة التكفير ص ٢٤، حاشية ١).