وأخيرا أدركت من مناقشة الأخ الشطي للمتطرفين من الخوارج والشيعة وفروعهما حرصه الشديد على الدعوة إلى ما يراه صالحًا ونافعا كما هو حريص على إنكار ما يراه منكرًا يجب إنكاره، وعلى الرغم من ذلك فقد فاته- ولست أدري سبب ذلك - أن يوجه نصيحته وتوجيهاته إلى أولئك الذين تطرفوا تطرفا متطرفًا - لو صح التعبير - والذين لو تركوا وما أرادوا ولم يؤخذ على أيديهم أوقعوا عوام المسلمين وأشباه العوام من المثقفين السذج الذين لم يدرسوا الإِسلام كما يجب في حيرة ولبس في مفهوم الإسلام ذاته لأنهم كثيرًا ما يتحدثون عن الإسلام ومفهوم الإسلام وهم لا يفقهونه كما يتحدثون عن حقيقة الإسلام والجهاد في الإسلام وهم بحاجة إلى من يشرح لهم ما يريدون شرحه لغيرهم لأنهم من جملة الأنصاف الذين تحدثنا عنهم سابقًا، وقد ينزلون أحيانا إلى الأرباع.
وعلى سبيل المثال أخذوا يتحدثون في الآونة الأخيرة عن الخميني وإسلامه وكثيرًا ما يمجدون إسلامه، وإسلام الخميني ليس بإسلام في نظرنا ولا يلتقي مع إسلامنا الحق الذي أنزله الله في كتابه وفيما أوحى به إلى خاتم رسله محمد ﵊، لا يلتقي معه إلا في (اللفظ) فقط أما في حقيقته وجوهره، أما في عقيدته وكثير من أحكامه فهو في واد والإسلام في واد آخر، فلا يلتقيان كما قلت، يدرك ذلك كل من درس الإسلام وفهمه جيدًا ثم أطلع على ما جاء به الخميني من وحي أئمته وفهمه أيضًا، وتمجيد هذا الإسلام الوضعي وتحبيذه بل دعوة الناس إليه يعتبر في نظرنا تضليلا للناس وإبعادًا لهم عن الإسلام الحق وتزيينا لهم بالباطل، لأن الحق لا يتعدد كما هو معلوم. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢.
وإسلامنا الذي ندعو إليه هو الاستسلام لله بالطاعة، وعبادته عبادة خالصة بعيدة عن شوائب الشرك وتجريد المتابعة لرسوله، وهذه المعاني معدومة أو ضعيفة في إسلام الخميني، وإذا كان ذلك كذلك، فتمجيد هذا الإسلام دعوة إلى الباطل، وإبعاد للخلق عن الدين الحق ضرورة عدم اجتماع الشيء مع نقيضه.
_________________
(١) ٢ سورة آل عمران آية ٨٥.
[ ٢٧٩ ]
ولو أخذنا نسوق أدلة مادية لا تقبل جدلا لندلل على بطلان إسلام الخميني لاحتاج الأمر إلى تأليف كتاب مستقل بالموضوع، فلنقتصر على ذكر ما لا بد من ذكره، فنوجز ذلك في الآتي:
(١) إن الله اصطفى لتبليغ دينه إلى الناس نبيه محمدًا ﵊ وختم به الرسالة، فبلغ ﵊ رسالة ربه كما أمر ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ١ وعندما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى - بعد أن أكمل الله لنا الدين وأتم لنا النعمة - ترك لأمته كتاب الله وسنته ﵊ في أيدي رجال أمناء قد رضي لهم أن يكونوا خلفاءه من بعده على هذه الأمانة العظيمة، فخلفوه فعلا وحافظوا على الأمانة كما يجب، وبلغوها لمن بعدهم بكل إخلاص وأمانة وفي مقدمتهم أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي ﵃، وسماهم الرسول "الخلفاء الراشدين المهديين من بعده". وتعتبر أفعالهم وأقوالهم (سنة متبعة) عند أهل السنة. كما تقدم.
وهل تعلمون موقف الخميني من هؤلاء الراشدين؟ يعتبر هؤلاء الخلفاء الراشدون في إسلام الخميني خونة وكفارًا، إذا استثنينا عليًا وأولاده عند بعض أتباعه، ويلقب أهل السنة أبا بكر وعمر (بالشيخين) وأما عند الروافض قوم الخميني فهما (صنما قريش) قاتل الله الروافض ومن يشايعهم.
وهل يعلم هؤلاء الروافض وشيعتهم ماذا يقول علي ﵁ في أخيه أبي بكر الصديق "رضيك رسول الله لديننا وكيف لا نرضاك لدنيانا". يعني إذا كان الرسول قد قدمك لتصلى بالناس إمامًا في حياته والصلاة عمود الدين فكيف لا نرضى أن تتولى شئون الخلافة فينا؟ ﵃ جميعًا٢.
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية ٦٧. ٢ تعليق: ما ذكره فضيلة صاحب المقال إنما هو رواية بالمعنى ونص القصة التي فيها قول علي ﵁ كالآتي: (وقال علي والزبير- ولعل ذلك بعد المعاتبة التي جرت بين أبي بكر وعلي. ما غضبنا إلا أن أخرنا عن المشورة، وإنا لنرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله (ﷺ) . وإنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا لنعرف له شرفه ومنه، ولقد أمره رسول الله ﵊ وهو حّي. وذكر غير (ابن عقبة) أن أبا يكر قام في الناس بعد مبايعتهم إياه يقيلهم من بيعته ويستقيله ما تحمله من أمرهم. كل ذلك يقولون له: والله لا نقيلك ولا نستقيلك. وروي عن الحسن البصري عن علي ﵁ قال: (قدم رسول الله ﵊ وأمر أبا بكر ﵁ فصلى عنه بالناس، وإني شاهد غير صائب، صحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدمني لقدمني، فرضينا لدنيانا من رضي الله ورسوله لديننا) – ا. هـ من مختصر سيرة الرسول ﷺ لمجدد القرن الثاني عشر محمد بن عبد الوهاب ﵀ – ص ٤٠٨ (في ذكر سقيفة بني ساعدة) «المجلة» .
[ ٢٨٠ ]
هذا موقف علي بن أبي طالب من أبي بكر الصديق، بالاختصار أما الخميني ففي إسلامه لا يقبل أي حديث يأتي من طريق أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، اللهم إلا ما كان من طريق علي بن أبي طالب وأولاده عند بعضهم، وأما عند بعض غلاة الروافض من قوم الخميني فلم يقف الأمر عند هذا الحد بل خطأوا جبريل ﵇ أمين الله على وحيه (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) حيث زعموا فيما زعموا وما أكثر مزاعمهم أن الوحي كان في الأصل لعلي بن أبي طالب ﵁، إلا أن جبريل أخطأ فأتى به إلى محمد ﵊، فكان الواجب على الإمام علي أن يطالب بهذا الحق فحيث لم يطالب بحقه فضاع الحق بسبب إهماله، فهو كافر، وبقية الصحابة كفار لأنهم لم يؤمنوا بنبوة علي، وهذا الباطل المركب من القول والإعتقاد هو الذي ورطهم في رد أحاديث رسول الله ﷺ كلها، بدعوى أنها كلها رواية قوم كفار.
وبعد: فهل بعد هذا الكفر من كفر؟ وهل لأحد أن يقول بعد هذا أن أصولنا وأصول الروافض واحدة؟ !! وإن فعل ذلك أحد فتلك مكابرة ومغالطة كما لا يخفى، ومن أراد مزيد البحث في هذه النقطة فعليه مراجعة (مفتاح الجنة في الإحتجاج بالسنة) للسيوطي والكتاب من مطبوعات الجامعة الإسلامية للتوزيع.
وهاك نص كلام الإمام السيوطي وهو يتحدث عن الرأي الفاسد الذي يرى عدم الإحتجاج بالسنة.
قال ﵀: "وأصل هذا الرأي الفاسد أن الزنادقة وطائفة من غلاة الرافظة ذهبوا إلى إنكار الإحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن، وهم في ذلك مختلفوا المقاصد، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلي وأن جبريل ﵇ أخطأ في نزوله إلى سيد المرسلين ﷺ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ومنهم من أقر للنبي ﷺ بالنبوة ولكن قال: إن الخلافة كانت حقًا لعلي فلما عدل بها الصحابة عنه إلى أبي بكر ﵃ أجمعين قال هؤلاء المخذولون- لعنهم الله- كفروا حيث جاروا وعدلوا بالحق عن مستحقه وكفروا لعنهم الله عليًا ﵁ أيضًا لعدم طلبه حقه، فبنوا على ذلك رد الأحاديث كلها لأنها عندهم بزعمهم من رواية قوم كفار، فإنا لله وإنا إليه راجعون وهذه آراء ما كنت أستحل حكايتها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذي كان الناس في راحة منه من أعصار"١.
_________________
(١) ١ مفتاح الجنة للسيوطى ص ٣- ٤ طبعة المطبعة السلفية بالقاهرة.
[ ٢٨١ ]
(٢) إن موقف الخميني وأتباعه من الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة ﵂ وعن أبيها معروف لدى طلاب العلم في قصة الإفك وهم لا يؤمنون ببراءتها، وقد زعموا فيما زعموا أنها الشجرة الملعونة في القرآن، وموقفهم ذلك من الصديقة المبرأة يعتبر تكذيبًا للآيات القرآنية التي نزلت من فوق سبع سماوات في براءتها وبالثناء عليها رغم أنف الخميني وأنوف أتباعه من الآيات والحجج في طهران، وتكذيب كلام الله كفر لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح حوله كبشان، كما يقولون.
(٣) يعتقد الخمينيون أن أئمتهم أفضل من الأنبياء والمرسلين حتى من أفضلهم وخاتمهم محمد ﵊ ومن الملائكة الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، هذا ما صرح به الخميني نفسه (في كتابه الحكومة الإسلامية) راجع الكتاب المذكور لتجد النص التالي: ص ٥٢.
(الولاية التكوينية)
"وثبوت الولاية والحاكمية للإمام (ع) لا تعني تجرده عن منزلته التي هي له عند الله، ولا تجعله مثل من عداه من الحكام، فإن للإمام مقامًا محمودًا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإنما من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم (ص) والأئمة (ع) كانوا قبل هذا العالم أنوارًا فجعلهم الله بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله، وقد قال جبريل-كما ورد في روايات المعراج-: لو دنوت أنملة لاحترقت وقد ورد عنهم (ع): إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل"أ. هـ.
جرأة لا تقف عند حد وافتراء صارخ وكفر سافر ليس على وجهه غطاء.
(٤) إن ولاء آل البيت لا يتم في إسلام الخميني إلا بعداء بقية الصحابة وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر ﵄، أما صدور أهل السنة فقد وسعت لمحبة جميع الصحابة من أهل البيت وغيرهم، ولله الحمد والمنة.
وبعد: فإن تمجيد إسلام الخميني والحالة ما ذكر يتنافى وواجب النصح لعامة المسلمين، وتسمية حركته الفوضوية (ثورة إسلامية) نوع آخر من تضليل العوام وأشباه العوام، لأن ذلك يوهم أن سبيل الوصول إلى الولاية في الإسلام يكون بطريقة ثورة مسلحة ومدمرة
[ ٢٨٢ ]
التي تأكل الأخضر واليابس وتقضي على البريئين قبل المجرمين، ولا ترى إلا الوصول إلى الكرسي بأي وسيلة على أساس (أن الغاية تبرر الوسيلة) وهو أسلوب المستغلين للفرص الحاجة في أنفسهم.
وأما سبيل الوصول إلى الولاية في إسلامنا إنما يكون بالشورى والتفاوض، ثم الاختيار، فإذا تم اختيار الوالي الصالح فتولى أمور المسلمين وجبت طاعته ما لم يأمر بمعصية الله ولا يجوز الخروج عليه ما لم يظهر كفرًا بواحًا عليه دليل من الكتاب والسنة. هذا هو نظام الإسلام في أمر الولاية بالاختصار. ثم إن الإسلام ينهى عن الفساد في الأرض وعن تقتيل النساء والأطفال والشيوخ العاجزين حتى في الحروب التي بين المسلمين والكفار ما لم يحارب هؤلاء كغيرهم.
وإذا فتح المسلمون بلدًا ما عنوة وخضع أهل البلد لأحكام الإسلام وأعطوا الذمة يحرم الإسلام دماء أهل الذمة وأموالهم، ولا يحقد الإسلام على ما قد يحصل من الأعداء في حالة الحرب، بل يعفو ويصفح، والجميع يعرفون موقف رسول الإسلام من أهل مكة يوم الفتح. أما إسلام الخميني يخالف هذه التعليمات الرحيمة كلها، فيخرب ويدمر ويقتل النساء والأطفال والشيوخ وهم مسلمون في الجملة، إذا خولف شيء من تعليمات الثورة المزعومة ونظامها.
وهؤلاء المتطرفون إذا قيل لهم لماذا هذا التضليل ولماذا هذا التمجيد العاطفي لإسلام الخميني؟ ولماذا هذا التخبط؟ قالوا: نحن نريد خلق مجتمع إسلامي عام لا يتخلف عنه أي فرد ينتمي إلى الإسلام ولو بالاسم. سنيًا أو رافضيًا. أو أو.
فمثلهم كمثل الذي دخل سوقًا غاصة بالناس رجالًا ونساءً ليدعوهم إلى الصلاة فجعل يناديهم قائلا: أيها الناس إننا أنشأنا لكم مسجدا في غاية السعة فهلموا جميعا لأداء الصلاة فيه ولا يتأخرن أحد وليأت كل واحد على ما هو عليه، المتوضئ بوضوئه، والمحدث بحدثه، والجنب بجنباته، بل حتى الحائض والنفساء، لأننا لا نرد أحدًا، إذ قصدنا خلق مجتمع إسلامي عام شامل وكلنا إخوان مسلمون، ولا داعي للتشدد لأن التشدد يفرق بين صفوف المسلمين، وبينما هو يرفع عقيرته بهذا الهذيان فوجئ بداعية ناصح ممن رزق الفقه في الدين وهو يقول للناس: أيها الأخوة المسلمون حان وقت الصلاة فقوموا فتوضأوا ثم صلوا صلاتكم حيث ينادي لها، فأخذ يعلمهم الطهارة، وأنها شرط لصحة الصلاة فصاحب المجتمع المزعوم يستمع إليه بدهشة وهو يفكر ليستحضر الأسلوب الذي يستعمله ضد هذا الداعية. إنه فكر وقدر ثم صرخ صرخة شيطانية قائلًا "أيها الأخوة المسلمون لا تسمعوا لهذا الكلام والغوا فيه لعلكم تغلبون على هذا المتشدد وتسكتونه" إلى آخر تلك الصيحة اليائسة.
[ ٢٨٣ ]
أيها القراء الكرام، أنشدكم الله أيّ صاحبي السوق على الحق؟!!
أما أحدهما فقد دعا الناس إلى أداء الصلاة بوضوء وبطهارة كاملة وبيّن للناس أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وقد نصح، وأما الآخر فقد أوهم الناس أن المهم والمطلوب اجتماع الناس في صعيد واحد تحت اسم (المسلمين) فيؤدون الصلاة على ما هم عليه قائلا:
لأننا نهينا عن التكلف، والدين يسر ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج، يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وهلم جرا إلى آخر تلك الفتوحات الجديدة.
هكذا أترك الحكم على صاحبي السوق للقراء وهم الحكم العدل إن شاء الله لأنهم من طلبة العلم في الجملة، ولأن الحق أبلج والباطل لجلج فهما لا يتشابهان. وبالله التوفيق.
[ ٢٨٤ ]