منهاج الصحابة في إنكار البدع
وترك ما يؤدي إليها
* فمن ذلك ما روى البخاري في كتاب الصلاة عن أم الدرداء؛ قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا.
وروى مالك في " الموطإ " عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: " ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة ".
يعني: الصحابة.
وذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره، ورآها مخالفة لما أدرك من أفعال الصحابة.
وكذلك أبو الدرداء أنكر ما أدرك بعد موت النبي ﷺ ولم يعرفه من أحوال رسول الله ﷺ.
وقال الزهري: " دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد
[ ٤١ ]
ضيعت ".
وفي لفظ آخر أنه قال: " ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول الله ﷺ إلا قد أنكرته اليوم ".
وقال الحسن: " سأل أبا الدرداء رجلٌ، فقال: رحمك الله! لو أن رسول الله ﷺ بين أظهرنا؛ هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه؟ فغضب واشتد غضبه، ثم قال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه؟ ! ".
وقال المبارك بن فَضَالَةَ: " صلى الحسن الجمعة، ثم جلس فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ ! فقال: تلومونني على البكاء ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم؛ ما عرف شيئا مما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ مما أنتم اليوم عليه؛ إلا قِبْلَتَكُمْ هذه؟ ! ".
وروى البخاري عن أنس قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات.
فانظروا - رحمكم الله - إذا كان في ذلك الزمان طمس الحق وظهر الباطل حتى لا يعرف من الأمر القديم إلا القبلة؛ فما ظنك بزمانك هذا؟ !
والله المستعان.
* ومن ذلك قصة عثمان بن عفان ﵁، وذلك أنه كان لا يقصر في السفر، فيقال له: أليس قصرت مع النبي ﷺ؟ فيقول: " بلى! ولكني إمام الناس، فينظر إليَّ الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون: هكذا فرضت "!
[ ٤٢ ]
تأملوا - رحمكم الله -؛ فإن في القصر قولين لأهل الإسلام:
منهم من يقول: فريضة، ومن أتم؛ فإنه يأثم ويعيد أبدا.
ومنهم من يقول: سنة، يعيد من أتم في الوقت.
ثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو السنة لما خاف من سوء العاقبة، وأن يعتقد الناس أن الفرض ركعتان.
* ومنه قصة الأضحية:
قال حذيفة بن أسيد: " شهدت أبا بكر وعمر، وكانا لا يضحيان؛ مخافة أن يرى أنها واجبة ".
وقال بلال: " لا أبالي أن أضحي بكبش أو بديك ".
وعن ابن عباس: أنه كان يشتري لحما بدرهمين يوم الأضحى، ويقول لعكرمة: " من سألك؛ فقل له: هذه أضحية ابن عباس ".
قال أبو مسعود البدري: " إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة ".
وقال طاوس: " ما رأيت بيتا أكثر لحما وخبزا من بيت ابن عباس؛ يذبح وينحر كل يوم، ثم لا يذبح يوم العيد، وإنما كان يفعل ذلك؛ لئلا يظن الناس أنها واجبة، وكان إماما يُقتَدى به ".
وقال أبو أيوب الأنصاري: " كنا نضحي عن النساء وأهلينا، فلما تباهى الناس بذلك؛ تركناها ".
انظروا - رحمكم الله -؛ فإن القول في هذا الأثر كالقول فيما قبله؛ فإن
[ ٤٣ ]
لأهل الإسلام قولين في الأضحية:
أحدهما: سنة.
والثاني: واجبة.
ثم اقتحم الصحابة ترك السنة؛ حذرا أن يضع الناس الأمر على غير وجهه، فيعتقدونها فريضة.
وقال ابن عباس: " ما من عام إلا تظهر فيه بدعة وتموت فيه سنة، حتى تظهر البدع وتموت السنن ".
* ومن " صحيح مسلم ": قال مجاهد: " دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر مستند إلى حجرة عائشة ﵂، وإذا الناس في المسجد يصلون الضحى، فقلنا: ما هذه الصلاة؟ فقال: بدعة ".
ومحمله عندي على أحد وجهين:
إما أنهم كانوا يصلون جماعة.
وإما أنهم كانوا يصلونها معا أفذاذا على هيئة النوافل في أعقاب الفرائض.
* وروى مالك في " موطئه " عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لو»
[ ٤٤ ]
«رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده؛ لمنعهن المساجد كما مُنِعَهُ نِسَاءُ بني إسرائيل» .
قالت عائشة ﵂ - في " مصنف عبد الرزاق " -: «وكان نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلا من خشب؛ ليشرفن بها على الرجال في المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسلط عليهن الحيض» .
وقال ابن مسعود: " كان رجال بني إسرائيل ونساؤهم يصلون جميعا، فإذا كان للمرأة خليل؛ لبست القالبين من خشب تطول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض ".
وكان ابن مسعود يقول: " أخروهن من حيث أخرهن الله ".
وكان لإبراهيم ثلاث نسوة، ما صلت واحدة منهن في مسجد الحي.
وقال الليث: " إنما منع نساء بني إسرائيل المساجد؛ لأنهن أكثرن التطيب، حتى إن إحداهن كانت تملأ يديها مسكا، فإذا مرت بمسجد فيه رجال؛ مالت بيدها كأنها تسوي ثيابها، فرمت به على الرجال ".
هذا قول عائشة، وهي تعلم أن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، فرأت ترك السنة؛ حذرا من التذرع إلى الباطل.
قال علماؤنا: والذي أنكرت عائشة على نساء المسلمين: التطيب،
[ ٤٥ ]
والتجمل، وقلة الستر والملابس، وإنما كن في زمان النبي ﷺ يلبسن المروط فيخرجن بها متلفعات، وقد قال الرسول ﷺ: «إذا شهدت إحداكن صلاة العشاء؛ فلا تمسن طيبا» .
وأعظم من ذلك ما يوجد اليوم في هذا الختم من اختلاط الرجال والنساء وازدحامهم وتلاصق أجساد بعضهم ببعض، حتى بلغني أن رجلا ضم امرأة من خلفها فعبث بها في مزدحم الناس!
وجاءت إلينا امرأة تشكو، فقالت: حضرت عند الواعظ في المسجد الجامع، فاحتضنني رجل من خلفي والتذ مني في مزدحم الناس، فما حال بينه وبين ذلك مني إلا الثياب! ! فأقسمتْ ألا تحضره أبدا.
وروى مالك في " موطئه " عن ابن عمر: " أنه رأى رجلا يدعو ويشير بأصبعين، أصبع من كل يد، فنهاه ".
[ ٤٦ ]