فيما اشتملت عليه السنة
من التحذير من الأهواء والبدع
قال رسول الله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء.
قيل: من هم يا رسول الله؟
قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» .
وفي لفظ آخر: «النُّزَّاع من القبائل» .
وفي لفظ آخر: «أناسٌ صالحون قليلٌ في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» .
[ ٣١ ]
ومعنى هذا الحديث: أنه لما جاء الله بالإسلام، فكان الرجل إذا أسلم في قبيلته وحيه غريبا فيهم، مستخفيا بإسلامه، قد جفاه الأهل والعشيرة، فهو بينهم ذليل حقير خائف يتغصص بجرع الجفاء والأذى، ثم يعود غريبا؛ لكثرة الأهواء المضلة، والمذاهب المختلفة، حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس؛ لقلتهم وخوفهم على أنفسهم.
وقال ابن مسعود: «خط لنا النبي ﷺ خطا، ثم خط إلى جانبه خطوطا، ثم قال للخط الأول: هذا سبيل الله يدعو إليه، وقال للخطوط: هذه سبل الشيطان، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾» .
فحذر من البدع ومحدثات الأمور.
ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم.
قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟
قال: فمن؟ !» .
وروى أبو داود في " السنن " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال
[ ٣٢ ]
رسول الله ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» .
ورواه معاوية بن أبي سفيان؛ قال: «قام النبي ﷺ فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» .
واعلم أن هذا الحديث قد طاشت فيه أحلام الخلق، وفي معرفة هذه الفرق، وهل كملوا بعد أم لا؟ !
١ - فصل في تحقيق القول فيه
اعلم أن علماءنا ﵃ قالوا: أصول البدع أربعة، وسائر الأصناف الثنتين وسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا وتشعبوا، وهم: الخوارج - وهي أول فرقة خرجت على علي بن أبي طالب ﵁ - والروافض، والقدرية، والمرجئة.
ولم يرد علماؤنا أن أصل كل بدعة من هؤلاء الأربع تفرعت وتشعبت على
[ ٣٣ ]