١ - شرح هذه المتون، ووجه الجمع بينها
اعلم أن أصل قيام رمضان ثبت على عهد رسول الله ﷺ بقوله وفعله:
أما قوله ﵇؛ فترغيبه في قيامه على ما بيناه أولا.
وأما فعله؛ فجمعه بالناس ليلتين.
فإن قال قائل: فالنبي ﷺ قد ترك بقية الشهر ولم يصل معهم!؟
فالجواب: أن هذا لا يدل على نسخ الجمع فيها؛ لأنه - ﵇ - علل الامتناع بأنه خشي أن يفرض عليهم؛ إما لما جرت به عادته من أن ما داوم عليه على وجه الاجتماع من القرب؛ يفرض على أمته.
قالت عائشة ﵂: «إن كان النبي ﷺ ليدع العمل وهو يجب أن يعمل به؛ خيفة أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم» .
قالت: «وما سبح النبي ﷺ سُبْحَةَ الضحى قط، وإني لأسبحها» .
قال القاضي أبو بكر: " ويحتمل أن الله تعالى أوحى إليه إن واصل هذه الصلاة معهم؛ فَرَضَهَا عليهم؛ إما لإرادته فرضها فقط على ما نذهب إليه من أن أفعال القديم تعالى غير معللة، أو لأنه يحدث فيهم من الأحوال والاعتقاد ما يكون الأصلح لهم فرض هذه الصلاة عليهم، ويحتمل أن يريد بذلك أنه خاف أن يظن أحد من أمته بعده - إذا داوم عليها - وجوبها على الناس ".
وهذه المعاني كلها مأمونة بعد موت النبي ﷺ.
[ ٥١ ]
وإذا كان كذلك؛ فقد زالت العلة المانعة من الاجتماع بانقطاع الفروض بعده، فثبت جواز الاجتماع لقيام رمضان.
فهذا الحديث أصل في جواز الاجتماع للنافلة في رمضان.
فإن قيل: فأبو بكر ﵁ لم يصلها معهم، وكذلك عمر؛ لأنه قال: " ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر "، وكذلك علي لم يصلها!
قلنا: أما أبو بكر؛ فشغله أهل الردة وتدبير أمور الإسلام مع قصر مدته عن النظر في جمع المسلمين عليها.
ويحتمل أن يكون رأى من قيام الناس في آخر الليل وقوتهم عليه ما كان أفضل عنده من جمعهم على إمام في أول الليل.
وأما علي بن أبي طالب ﵁؛ فروى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي: " أنه صلى بهم في شهر رمضان، فكان يسلم بهم في كل ركعتين، ويقرأ في كل ركعة بخمس آيات ".
وإنما نسب إلى عمر؛ لأنه جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بهم عشرين ليلة، فإذا كان العشر الأواخر تخلف في بيته، فيقال: أبِقَ أُبَيٌّ.
[ ٥٢ ]
فأما الجماعة في سائر النوافل؛ فروى ابن حبيب عن مالك؛ قال: " ليس من الأمر الذي يواظب عليه العامة أن يصلي الرجل بالنفر سبحة الضحى وغيرها من النافلة بالليل والنهار غير نافلة رمضان؛ إلا أن يكون نفرا قليلا، الرجلين والثلاثة ونحوه، من غير أن يكون أمرا كثيرا مشهورا ".
كأنه خاف أن يظنها كثير من الناس من جملة الفرائض لو ظهر الاجتماع لها، وأمن ذلك في رمضان؛ لما اشتهر من أنه نافلة، وقد قيل غير ذلك.
٢
- فرع
وهل الأفضل أن تصلى في البيوت
أو في المساجد والجماعات؟
قال مالك في " المدونة ": " قيام الرجل في بيته أحب إلي لمن قوي عليه ".
قال: " وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وبه قال ابن عمر ".
وقال عبيد الله: " رأيت مشيختنا: القاسم وسالما ونافعا ينصرفون من العشاء في رمضان ولا يقومون مع الناس ".
وقال أبو يوسف: " من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان؛ فأحب إلي أن يصلي في بيته ".
[ ٥٣ ]