إن الذي أنتم فيه بدعة وليست بسنة، أدركت الناس لا يصنعون هذا ".
قال مالك بن أنس: " ولقد رأيت رجالا ممن اقتدي بهم يتخلفون عشية عرفة في بيوتهم ".
قال: " وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع، ولا أحب للرجل الذي قد علم أن يقعد في المسجد في تلك العشية؛ مخافة أن يقتدى به، وليقعد في بيته ".
قال الحارث بن مسكين: " كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب ".
وقال إبراهيم النخعي: " الاجتماع يوم عرفة أمر محدث ".
وقال عطاء الخراساني: " إن استطعت أن تخلو عشية عرفة بنفسك؛ فافعل ".
وكان أبو وائل لا يأتي المسجد عشية عرفة.
فاعلموا رحمكم الله أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولم يمنعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن
[ ١٢٧ ]
يدخل في الدين ما ليس منه.
وقد كنت ببيت المقدس، فإذا يوم عرفة؛ حبس أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم كأنه موطن عرفة!
وكنت أسمع هناك سماعا فاشيا منهم: أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات؛ فإنها تعدل حجة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام! !
وروى المالكي في كتاب " رياض النفوس ": " أن يحيى بن عمر الفقيه الأندلسي كان يغير في القيروان على موضع ناس حاكة، فإذا كانت أيام العشر؛ يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل، فنهاهم، فلم ينتهوا، ثم نهاهم، فلم ينتهوا، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ".
قال: " فدعا الله عليهم، فانقرضوا، وخربت ديارهم برهة من الزمان ".
١١ - فصل
في منتصف شعبان
قال الله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ .
[ ١٢٨ ]