٢١ - فصل
[التصبر]
اعلم أن التصبر واجب، وإظهار الجزع حرام، والنياحة حرام، والبكاء مباح:
فأما الصبر؛ فالقرآن جميعه دل عليه:
قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ .
ثم وعد ما علمت.
وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ﴾ إلى قوله: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ .
وقد قيل: إنه ليس في كتاب الله تعالى أسلى من هذه الآية.
فأما الجزع؛ فليس هو إلا مرارة الفقد، ومضاضة الثكل؛ فإن هذا مركوز في الجبلة، وإنما المذموم إظهار ما لا ينبغي إظهاره بالقول والفعل.
وقد قيل لبعض الحكماء - وقد ظهر عليه الحزن والجزع -: أخرج هذا من قلبك. فقال: ليس بإذني دخل.
وأما النياحة؛ فحرام:
[ ١٧٢ ]
وروى أبو سعيد الخدري؛ قال: قال النبي ﷺ: «لعن الله النائحة والمستمعة» .
وقال النبي ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب» .
ومن " صحيح مسلم " عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ: «ليس منا من حلق، ومن سلق، ومن خرق» .
وقال الرسول ﵇: «تكسى النائحة يوم القيامة سربالا من قطران، ودرعا من جرب» .
رواه مسلم في " الصحيح ".
وفيه أخبار كثيرة عن الرسول ﷺ؛ لأن ذلك يشبه التظلم والاستغاثة على الله ﷿، وفيه تشبه بالاستعداء.
وما فعله الله تعالى؛ فهو حق وعدل.
وكذلك لا يجوز الصراخ على الميت، والدعاء بالويل والثبور.
[ ١٧٣ ]
فأما البكاء من غير شيء من ذلك؛ فهو مباح.
والدليل عليه «أن النبي ﷺ جعل ابنه إبراهيم في حجره، وكان ينزع، فبكى عليه، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» .
وروي «أن النبي ﷺ فاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: إنها رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» .
فإذا ثبت هذا؛ فإن البكاء مباح إلى أن تخرج الروح، فإذا خرجت؛ كره البكاء؛ لما روى عبد الله بن عتيك؛ قال:
«جاء رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن ثابت يعوده، فوجده قد غلب، فصاح به، فلم يجبه، فاسترجع النبي ﷺ، وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع. فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال النبي ﷺ: دعهن؛ فإذا وجب؛ فلا تبكين باكية» .
يعني: مات.
[ ١٧٤ ]