«فرغنا؛ انصرف وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه؛ لقي فاطمة في الطريق، فقال لها: ما أخرجك يا فاطمة؟ . قالت: أتيت - يا رسول الله! - أهل هذا البيت، فرحمت إليهم ميتهم، أو عزيتهم به. فقال لها النبي ﷺ: فلعلك بلغت معهم الكُدى! »، فذكر تشديدا في ذلك.
قال ربيعة وغيره: " الكُدى: القبور ".
وكأنه مأخوذ من الكدية، وهي القطعة الصلبة من الأرض، والقبور إنما تحفر بالمواضع الصلبة؛ لئلا تنهار.
وروي أن النبي ﷺ لما توفي جاءت التعزية، فسمعوا صوتا من جانب البيت يقول: " السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإن المصاب من حرم الثواب ".
ويقال: إنه كان الخَضر ﵇!
[ ١٦٨ ]
إذا ثبت هذا؛ فإن العزاء من حين يموت الميت إلى أن يدفن وعقيب الدفن، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة والثوري: " لا يعزى بعد الدفن؛ لأن الدفن عاقبة أمره، وكما لو طال الزمان ".
ودليلنا قوله ﷺ: «من عزى مصابا؛ كان له مثل أجره»، ولم يفرق.
وأيضا؛ فإن عقيب الدفن يكثر الجزع؛ لأنه وقت مفارقة شخصه، والانقلاب عنه، فتستحب التعزية.
فحصل اتفاق أبي حنيفة والشافعي على أنه لا يعزى بعد الدفن إذا طال.
وروي أن محمد بن عبد الحكم أرسل إلى الشافعي يعزيه في ميت له:
إنا معزوك لا أنَّا على ثقةٍ من البقاء ولكن سنة الدين
فلا المُعزَّى بباق بعد صاحبه ولا المُعَزِّي وإن عاش إلى حين
[ ١٦٩ ]
وأحسن ألفاظ التعزية ما ذكرناه من تعزية الخضر لأمة محمد ﷺ فيه.
ويعزى الكبير والصغير، والرجل والمرأة؛ إلا أن تكون شابة؛ فلا يعزيها إلا ذو رحم.
قال علماؤنا المالكيون: التصدي للعزاء بدعة ومكروه، فأما إن قعد في بيته أو في المسجد محزونا من غير أن يتصدى للعزاء؛ فلا بأس به؛ فإنه «لما جاء النبي ﷺ نعي جعفر؛ جلس في المسجد محزونا، وعزاه الناس» .
قال مالك: " ولا بأس أن يبعث إلى أهل الميت طعام، وسواء فيه القريب والبعيد، وذلك «أن النبي ﷺ لما جاءه نعي جعفر؛ قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ فإنه جاءهم ما يشغلهم عنه» ".
وهذا الطعام مستحب عند معظم العلماء؛ لأن ذلك من البر والتقرب للأهل والجيران، فكان مستحبا.
فأما إذا أصلح أهل الميت طعاما ودعوا الناس إليه؛ فلم ينقل فيه عن القدماء شيء، وعندي أنه بدعة ومكروه.
[ ١٧٠ ]
وهذه المسألة مما وافقنا عليه الشافعي.
قال أبو نصر بن الصباغ في " الشامل "؛ قال: " لم ينقل فيه شيء، وهو بدعة غير مستحب ".
وقد روى أبو داود في " السنن " أن النبي ﷺ قال: «لا عقر في الإسلام» .
وذلك أنه كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد، يقولون: نجازيه على فعله؛ لأنه كان يعقرها في حياته، فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها على قبره؛ ليأكلها الطير والسباع فيكون مطعما بعد مماته؛ كما كان مطعما في حياته.
ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره؛ حشر في القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنه؛ حشر راجلا!
وهذا رأي من كان يرى البعث بعد الموت، فجاء الإسلام بإبطال ذلك.
[ ١٧١ ]