روى مالك في " موطئه ": " أن عبد الله بن عمر مكث في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها ".
قال علماؤنا: معنى ذلك: أنه كان يتعلم فرائضها، وأحكامها، وحلالها، وحرامها، ووعدها، ووعيدها، وغير ذلك من أحكامها.
وروي عن مالك في " العتبية " قال: " كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى، فكتب عمر: أن افرض لهم في الديوان. قال: فكثر من يطلب القرآن، فكتب إليه من قابل أنه قد جمع القرآن سبع مائة رجل. فقال عمر: إني لأخشى أن يسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين. فكتب ألا يعطيهم شيئا ".
قال مالك: " معناه: مخافة أن يتأولوه غير تأويله ".
وهذا هو حال المقرئين في هذه الأعصر؛ فإنك تجد أحدهم يروي القرآن بمائة رواية، ويثقف حروفه تثقيف القدح، وهو أجهل الجاهلين بأحكامه، فلو سألته عن حقيقة النية في الوضوء، ومحلها، وعزوبها، ورفضها، وتفريقها على أعضاء الوضوء؛ لم يخرج جوابا، وهو يتلو عمره:
[ ٩٧ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ .
بل لو سألته عن أول درجة، فقلت له: أمر الله تعالى على الوجوب هو؟ أم على الندب والاستحباب؟ أم على الوقف؟ أم على الإباحة؟ فطلبته بفهم هذه الدقائق ووجوهها وترتيبها؛ لم يجد جوابا!
وسئل مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن، فقال: " ما أرى هذا ينبغي ".
وإنما وجه إنكاره ما تقرر في الصحابة من كراهة التسرع في حفظ القرآن دون التفقه فيه.
ومن ذلك حديث مالك عن عبد الله بن مسعود: إنكم في زمان كثير فقاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يبدؤون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي زمان قليل فقاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يبدؤون أهوائهم قبل أعمالهم.
وقال الحسن: " إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وما تدبر آياته إلا اتباعه بعلمه، أما والله ما هو
[ ٩٨ ]
بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما رئي القرآن له في خلق ولا عمل، وإن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس [واحد]، ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء الورعة، متى كان القراء يقولون مثل هذا؟ ! لا كثر الله في الناس مثل هذا ".
قال الحسن: " ولقد قرأ القرآن ثلاثة نفر:
فرجل قرأ القرآن، فأعده بضاعة؛ يطلب به ما عند الناس، من مصر إلى مصر.
وقوم قرؤوا القرآن فثقفوه تثقيف القدح، فأقاموا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدروا به ما عند الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم، وما أكثر هذا الصنف من حملة القرآن! لا كثر الله صنفهم تعالى ".
قال: " ورجل قرأ القرآن، فبدأ بدواء ما يعلم من القرآن، فجعله على داء قلبه، فهملت عيناه، وسهر نومه، وتسربل الحزن، وارتدى الخشوع، فبهم يسقي الله الغيث، وينفي العدو، ويدفع البلاء، فوالله لهذا الضرب من حملة القرآن أقل في الناس من الكبريت الأحمر ".
وقد قال الله تعالى فيمن يحفظ الكتب المنزلة من السماء ولا يعلم أحكامها وحلالها وحرامها: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾
[ ٩٩ ]
كانوا يحفظون التوراة ولا يعلمون ما استودع الله تعالى فيها من الحكم والعبر، فوصفهم الله تعالى بأنه ليس عندهم من ذلك إلا أماني، والأماني: التلاوة، واحدها: أمنية؛ قال الناظم:
تمنى كتاب الله آخر ليلة تمني داود الزبور المنزلا
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، فشبه تالي القرآن من غير أن يفهمه كمثل الحمار يحمل أسفارا، وفيه وجهان:
١ - قال ابن عباس: " كلفوا العمل بها، فأقروا بها، ثم لم يعملوا بما فيها ".
٢ - والثاني: أن هذا من الحمالة والضمان، لا من الحمل على الظهر؛ يقول: حملوا ما في التوراة، ثم لم يرضوا بها.
﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾؛ قال الفراء: " الأسفار: الكتب العظام، واحدها سفر، وهو مأخوذ من الإسفار، قال الله العظيم: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾؛ لأن الكتاب يسفر عما استودعته فيه؛ فكما أن الحمار يحملها ولا
[ ١٠٠ ]
يدري ما فيها، كذلك التوراة والإنجيل إذا دلتهم على نبوة محمد ﷺ، ثم لم يقروا به، ولم يعملوا بما فيها من الدلالة على نبوته؛ لم ينفعهم حفظها.
فدخل في عموم هذا من يحفظ القرآن من أهل ملتنا، ثم لا يفهمه، ولا يعمل بما فيه، وفيه قال الناظم:
زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك لا يدري البعير إذا غدا بأوساقه أو راح ما في الغرائر
فبئس مثل القوم.
وأيضا؛ فقد قال الله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
قال سفيان: " ليس في كتاب الله تعالى آية أشد علي من قوله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وإقامتها: فهمها والعمل بها ".
[ ١٠١ ]
٥ -[فصل