من أن أرى قاصا يقص ".
قال علماؤنا ﵏: لم يقص في زمان النبي ﷺ ولا في زمان أبي بكر وعمر، حتى ظهرت الفتنة، فظهرت القصص.
فلما دخل علي المسجد؛ أخرج القصاص من المسجد، وقال: " لا يقص في مسجدنا ".
حتى انتهى إلى الحسن، في علوم الأعمال والأحوال، فاستمع إليه، ثم انصرف ولم يخرجه.
وجاء ابن عمر إلى مجلسه من المسجد، فوجد قاصا يقص، فوجه إلى صاحب الشرطة أن أخرجه من المسجد، فأخرجه.
قال مالك بن أنس: «كان رجل من المنافقين يقوم كل جمعة في المسجد، فيحض على طاعة رسول الله ﷺ، فلما كان يوم خيبر؛ انصرف بالناس من قتال العدو، ثم قام بعد ذلك في المسجد، فحض على طاعة رسول الله ﷺ، فأمر به النبي ﷺ، فأخرج من المسجد، فقال: لا أبالي ألا أصلي في حش بني فلان» .
قال أبو التياح: " قلت للحسن: إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء، ويمدون أيديهم! فقال الحسن: رفع الصوت بالدعاء
[ ١١٠ ]
بدعة، ومد الأيدي بالدعاء بدعة، والقصص بدعة ".
وقيل لابن سيرين: " لو قصصت على إخوانك؟ فقال: قد قيل: لا يتكلم على الناس إلا أمير أو مأمور أو أحمق، ولست بأمير، ولا مأمور، وأكره أن أكون الثالث ".
قال معاوية بن قرة: " قلت للحسن البصري: أعود مريضا أحب إليك أو أجلس إلى قاص؟ قال: عد مريضك. قلت: أشيع جنازة أحب إليك أو أجلس إلى قاص؟ فقال: شيع جنازتك. قلت استعان بي رجل في حاجة؛ أعينه أو أجلس إلى قاص؟ قال: اذهب في حاجتك حتى جعله خيرا من مجالس الفراغ ".
وقال ضمرة: " قلت للثوري: نستقبل القاص بوجوهنا؟ قال: ولوا البدع ظهوركم ".
وقال أبو معمر: " رأيت سيارا أبا الحكم يستاك على باب المسجد، وقاص يقص في المسجد، فقيل له: يا أبا الحكم! إن الناس ينظرون إليك. فقال: إني في خير مما هم فيه، أنا في سنة وهم في بدعة ".
" ولما دخل سليمان بن مهران الأعمش البصرة؛ نظر إلى قاص يقص في
[ ١١١ ]
المسجد، فقال: حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق، وحدثنا الأعمش عن أبي وائل ".
قال: " فتوسط الأعمش الحلقة، ورفع يديه، وجعل ينتف شعر إبطيه! فقال له القاص: يا شيخ! ألا تستحي؟ نحن في علم وأنت تفعل هذا؟! فقال الأعمش: الذي أنا فيه خير من الذي أنت فيه. قال: كيف ذلك؟ قال: لأني في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش، وما حدثتك مما تقول شيئا! !
فلما سمع الناس ذكر الأعمش؛ انفضوا عن القاص، واجتمعوا حوله، وقالوا: حدثنا يا أبا محمد! ".
وقال أحمد بن حنبل: " أكذب الناس القصاص والسؤال، وما أحوج الناس إلى قاص صادق صدوق؛ لأنهم يذكرون الموت وعذاب القبر ".
قيل له: أكنت تحضر مجالسهم؟ قال: " لا ".
وروي أن عامر بن عبد الله بن قيس المعروف بـ (راهب هذه الأمة) انقطع عن مجلس الحسن البصري، فجاءه الحسن في منزله، فإذا عامر في بيت قد لف رأسه، وليس في البيت إلا رمل، فقال له الحسن: يا أبا عبد الله! لم نرك منذ أيام؟ فقال له: إني كنت أجلس هذه المجالس، أسمع تخليطا وتغليطا، وإني كنت أسمع مشيختنا فيما روي عن نبينا ﷺ أنه كان يقول: «إن أصفى»
[ ١١٢ ]
«الناس إيمانا يوم القيامة أكثرهم فكرة في الدنيا، وأكثر الناس ضحكا في الجنة أطولهم بكاء في الدنيا، وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنا في الدنيا»، فوجدت البيت أخلى لقلبي، وأقدر لي من نفسي على ما أريد منها. فقال له الحسن: أما إنه لم يعن مجالسنا هذه، إنما عنى مجالس القصاص في الطرق، والذين يخلطون ويقدمون ويؤخرون.
قال ابن القاسم: " وأول قاص كان بالمدينة إنما جعله عمر بن عبد العزيز ولم يكن بها قبل ذلك قاص ".
قال مالك: " لم يكن القصاص فيما مضى حتى كان عمر بن عبد العزيز أميرا، فجعل قاصا ورزقه دينارين في الشهر ".
وفي كتاب الوضوء من " المدونة ": أن عمر بن عبد العزيز كان له قاص؛ يعني: واعظا يذكره.
٨ - فصل
آداب المسجد
قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ .
دلت الآية على أن المساجد إنما رفعت لأعمال الآخرة؛ دون حرث الدنيا واكتسابها.
[ ١١٣ ]