مقتضى أصل البدع، حتى كملت ثلاثة وسبعين فرقة؛ فإن ذلك لعله لم يدخل في الوجود إلى الآن، وإنما أرادوا أن كل بدعة وضلالة لا تكاد توجد إلا في هذه الأربع فرق، وإن لم تكن البدعة الثانية فرعا للأولى وشعبة من شعبها، بل هي بدعة مستقلة بنفسها، ليست من الأولى بسبب.
وبيان ذلك بالمثال: أن القدر أصل من أصول البدع، ثم اختلف أهله في مسائل من شعب القدر، وفي مسائل لا تعلق لها بالقدر، فجميعهم متفقون أن أفعال العباد خلق لهم من دون الله تعالى، ثم اختلفوا في فرع من فروع القدر:
فقال أكثرهم: لا يكون فعل بين فاعلين!
وقال بعضهم - وهو المِرْدَار -: يجوز بين فاعلين مخلوقين على التولد. وأحال مثله بين القديم والمحدث.
ثم اختلفوا فيما لا يعود إلى القدر في مسائل كثيرة؛ كاختلافهم في الصلاح والأصلح:
فقال البغداديون منهم: يجب على الله - تعالى عن قولهم - فعل الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم، ولا يجوز في حكمته تبقية وجه ممكن به الصلاح العاجل والآجل؛ إلا وعليه فعل أقصى ما يقدر عليه في استصلاح عباده.
قالوا: وواجب على الله - تعالى - ابتداء الخلق الذين علم أنه يكلفهم،
[ ٣٤ ]
ويجب عليه إكمال عقولهم وأقدارهم، وإزاحة عللهم!
وقال البصريون منهم: لا يجب على الله - تعالى - إكمال عقولهم، ولا أن يؤتيهم أسباب التكليف.
وقال البغداديون منهم: يجب على الله - تعالى عن قولهم - عقاب العصاة إذا لم يتوبوا، والمغفرة من غير توبة سفه من الغافر!
وأبى البصريون ذلك.
وابتدع جعفر بن مبشر من القدرية بدعة، فقال: " من استحضر امرأة ليتزوجها، فوثب عليها، فوطئها بلا ولي ولا شهود ولا رضىً ولا عقدٍ؛ حل له ذلك "!
وخالفه في ذلك سلفه، وخالفه خلفه.
وقال ثمامة بن أشرس: " إن الله - تعالى - يصير الكفار والملحدين وأطفال المشركين والمؤمنين والمجانين ترابا يوم القيامة؛ لا يعذبهم، ولا يعوضهم "!
وقوله هذا في الكفار والملحدين خرق لإجماع الأمة؛ من أهل الإثبات، وأهل القدر، وغيرهم.
وهكذا ابتدعت كل فرقة من هذه الفرق بدعا تتعلق بأصل بدعتها التي هي معروفة بها، وبدعا لا تتعلق بها.
[ ٣٥ ]
فإن كان أراد رسول الله ﷺ بتفرق أمته أصول هذه البدع التي تجري مجرى الأجناس للأنواع، والمعاقد للفروع؛ فلعلهم - والعلم عند الله - ما بلغوا هذا العدد إلى الآن؛ غير أن الزمان باق، والتكليف قائم، والخطوات متوقعة، وكل قرن عصر لا يخلوا إلا وتحدث فيه البدع.
وإن كان أراد النبي ﷺ بالفرق كل بدعة في دين الإسلام؛ مما لا يلائم أصول الإسلام، ولا تقبلها قواعده؛ من غير التفات إلى التقسيم الذي ذكرنا؛ سواء كانت البدع أنواعا لأجناس، أو كانت متغايرة الأصول والمباني - وهذا هو الذي أراده، والعلم عند الله -؛ فقد وجد من ذلك عدد كثير، أكثر من اثنين وسبعين.
ووجه تصحيح الحديث - على هذا - أن يخرج من الحساب غلاة أهل البدع، ولا يعدون من الأمة ولا في أهل القبلة؛ كنفاة الأعراض من القدرية؛ لأنه لا طريق لحدوث العالم وإثبات الصانع إلا بثبوت الأعراض، وكالحلولية، والمنصورية، وأشباههم من الغلاة.
[ ٣٦ ]
وسنذكر عند تمام الفصل أن البدعة تكون في الأفعال؛ كما تكون في الأقوال.
ومن ذلك ما رواه أبو داود في " السنن " عن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا النبي ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال:
أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي استعمل عليكم؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .
وروى أبو داود أيضا أن معاذ بن جبل كان لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال: " الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن؛ حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير،
[ ٣٧ ]
والحر والعبد، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمُتَّبِعيَّ حتى ابتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتُدع؛ فإنما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، ويقول المنافق كلمة الحق ".
روى أنس قال: قال النبي ﷺ: «أهل البدع هم شر الخلق والخليقة» .
وروى البخاري عن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع النبي ﷺ قِبَلَ خيبر ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم؛ يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي ﷺ: الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لتركبن سَنَنَ من قبلكم» .
فانظروا - رحمكم الله - أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس
[ ٣٨ ]
ويعظمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء من قبلها وينوطون بها المسامير والخرق؛ فهي ذات أنواط؛ فاقطعوها.
وروى مسلم في " صحيحيه " أن النبي ﷺ قال: «لا يجعل أحدكم للشيطان عليه حقا؛ يرى إذا صلى ألا ينصرف إلا عن يمينه» .
وروى مالك في " موطئه " عن واسع بن حبان قال: " انصرفت من الصلاة من قبل شقي الأيسر، فقال لي عبد الله بن عمر: ما منعك أن تنصرف عن يمينك؟ قلت: رأيتك فانصرفت إليك. قال: أصبت. إن قائلا يقول: انصرف عن يمينك، وأنا أقول: انصرف كيف شئت عن يمينك أو عن يسارك ".
وروى البخاري في " صحيحيه ": «أن النبي ﷺ نهى أن يصام يوم الجمعة؛ إلا أن يصله بصيام قبله أو بعده» .
وروى مسلم في " صحيحيه ": «أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يوم الجمعة وعن قيام ليلتها» .
٢ - فصل [في تعريف البدعة]
فإن قيل لنا: فما أصل البدعة؟
[ ٣٩ ]