وقد قال مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: " يقرأ ذا ويقرأ ذا، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ".
قال: ولو كان يقرأ واحد ويستثبت من يقرأ عليه، أو يقرأ عليه واحد بعد واحد؛ لم أر به بأسا ".
وأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يقرأ في الإسكندرية، وهو الذي يسمى الإدارة؛ فكرهه مالك، وقال: " هذا لم يكن من عمل الناس ".
قال في " مختصر ما ليس في المختصر ": " والذين يجتمعون ويقرؤون سورة واحدة حتى يختموها كل واحد منهم على إثر صاحبه مكروه منكر ".
قال: " فلو قرأ أحد منهم منها آيات، ثم قرأ الآخر على إثر صاحبه، والآخر كذلك؛ لم يكن بذلك بأس، هؤلاء يعرضون بعضهم على بعض ".
١٨ - شرح
لم يختلف قوله إلا إذا قرؤوا جماعة معا على المقرئ، وسواء على هذا كانوا في سورة واحدة أو سور مختلفة، والمسألتان لا تفترقان؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يمنع قراءة اثنين معا، سواء قرآ على مقرئ في سورة أو سور، أو قرؤوا بالإدارة في سورة.
فإن قيل في مسألة الجماعة على المقرئ: قد وجد الإنصات من
[ ١٦٢ ]
المقرئ ولم يوجد في الإدارة!
قلنا: قوله تعالى ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ خطاب لجميع الحاضرين، فلو قرأ اثنان وأنصت ألف؛ دخل الاثنان في النهي؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ متوجه إليهما.
ثم يلزم على هذا إذا قرأ جماعة بالإدارة في سورة واحدة، وواحد منصت يستمع: أن ترتفع الكراهة.
فالصواب أن يرد أحد جوابيه إلى الآخر، فيمنع في الموضعين، ووجه المنع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ .
فإن قيل: إن هذه الآية إنما نزلت في الصلاة بإحماع العلماء:
قال ابن مسعود: " كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فنزلت ".
وقال بشير بن جابر: " صلى ابن مسعود، فسمع ناسا يقرؤون مع الإمام، فقال لهم: أما آن لكم أن تفقهوا ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾؟ ".
قلنا: من أصلنا أن الخطاب إذا نزل على سبب، وكان مستقلا بنفسه؛ وجب حمله على العموم، ولا يقصر على سببه.
فإن قيل: قد قال مالك في " مختصر ما ليس في المختصر ": " من سمع رجلا يقرأ؛ فليس عليه أن يستمع له ".
[ ١٦٣ ]
قال: " ولا حرج على متكلم وقارئ يقرأ ".
قال ابن شعبان: " هذا إجماع الأمة، ففيه دليل على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ في الصلاة "!
قلنا: معنى هذا إذا قعد جماعة لمعايشهم وأشغالهم، فابتدأ أحدهم بالقراءة من غير إذنهم؛ فليس عليهم أن يستمعوا له، ولهم أن يتكلموا فيما يعنيهم؛ لأن القارئ قد آذاهم وقطعهم عن منافعهم وتجارتهم؛ فقد فعل مكروها.
فأما إذا اجتمع القوم للتلاوة والعبادة، أو قرأ القارئ بإذن الجماعة، أو مر الناس إلى مجالس القراء؛ فعليهم أن ينصتوا للقارئ، ولا يتكلموا.
فهذا المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ .
ألا ترى أن في الخطبة وفي الإمام إذا جهر في الصلاة، ولا يقرأ المأموم ولا يتكلم! وإن كان - أو جاء - رجل يعظك ويقرأ القرآن بحضرتك من غير أن تامره بذلك؛ لم يجب عليك الاستماع، وكان لك أن تتكلم فيما يعنيك.
فإن قيل في الصلاة والخطبة: هما واجبان، فكان الاستماع والإنصات واجبين، فأما اجتماع الجماعة للتلاوة فليس بواجب، فلم يكن الإنصات فيه واجبا، فنشأ منه جواز القراءة بالإدارة!
قلنا: وإن لم يكن واجبا؛ إلا أن تلاوة القرآن فضيلة ومنقبة، واستماعه أيضا فضيلة، فإذا كان أصل القراءة على وجه مأمور به مندوبا إليه؛ جاز أن يكون الاستماع مأمورا به مندوبا إليه.
وقد علل القاضي أبو الوليد المنع من قراءة الإدارة؛ قال: " إنما كرهه مالك للمجاراة في حفظه والمباهاة بالتقدم فيه ".
[ ١٦٤ ]
١٩ - فصل