روى أبو داود في " السنن " عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» .
وروى مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة يوم القيامة، ومن يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما؛ سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه» .
وروى مالك في " الموطإ " عن محمد بن سيرين: " أن عمر بن الخطاب
[ ١٦٥ ]
﵁ كان في قوم وهم يقرؤون القرآن، فذهب لحاجته، ثم رجع وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! أتقرأ القرآن ولست على وضوء؟ فقال له عمر: ومن أفتاك بهذا! أمسيلمة؟ ".
فالجواب: أن هذه الآثار تقتضي جواز الاجتماع لقراءة القرآن على معنى الدرس له والتعلم والمذاكرة، وذلك يكون بأن يقرأ المتعلم على المعلم، أو يقرأ المعلم على المتعلم، أو يتساويا في العلم، فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة والمدارسة، هكذا يكون التعليم والتعلم؛ دون القراءة معا.
وجملة الأمر أن هذه الآثار عامة في قراءة الجماعة معا على مذهب الإدارة، وفي قراءة الجماعة على المقرئ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ خاص في وجوب الإنصات عند القراءة.
فإن قيل: الآية خاصة في وجوب الإنصات عند القراءة؛ عامة في المحل، فيخص عمومها، وتحمله على صلاة الجهر وعلى الخطبة؛ بدليل حديثه الخاص، وهو قوله ﷺ: «ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه» !
قلنا: حديثكم أيضا خاص من وجه، عام من وجه، فخصوصه في تدارس القرآن، وعمومه في وجه التدارس، إذ لم يبين على أي وجه يتلونه ويتدارسونه؛ لأن التدراس يحتمل ما قلتم وقلنا، فنفس الإنصات خصوص غير محتمل، وإنما عمومه في شيء آخر، فأما التلاوة والتدارس؛ فعام في نفسه على ما ذكرناه، فيمضي عليه خصوص آيتنا.
[ ١٦٦ ]
والسر فيه أن قوله ﷺ: " يتلونه ويتدارسونه " خطاب عربي، ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم، ورجل واحد يقرأ القرآن؛ لجاز أن يقولوا: هؤلاء جماعة يقرؤون القرآن ويتدارسونه وإن كانوا كلهم سكوتا.
وكذلك لو مر العربي بجماعة اجتمعوا لتدريس العلم والتفقه فيه ولسماع حديث رسول الله ﷺ؛ لجاز أن يقول: هذه جماعة يدرسون العلم، ويقرؤون العلم والحديث. وإن كان القارئ واحدا.
٢٠ - فصل
في التعزية
اعلم أن التعزية لأهل المصيبة سنة مرغب فيها، والدليل عليه أن النبي ﷺ قال: «من عزَّى مسلما مصابا؛ كان له مثل أجره» .
وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر قال: «قبرنا مع النبي ﷺ ميتا، فلما»
[ ١٦٧ ]