وكيف كان بدؤها ومستقرها
أعلم أن الأصل في صلاة التراويح ما رواه مالك في " موطئه " والبخاري ومسلم وأبو داود في " سننه " عن أبي هريرة قال: «كان النبي ﷺ يرغب في قيام رمضان؛ من غير أن يأمر بعزيمة، ثم يقول: من صام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه» .
وروي: «من قام رمضان» .
قال ابن شهاب: " فتوفي النبي ﷺ والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر ".
وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح؛ قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم» .
وذلك في رمضان.
[ ٤٧ ]
رواه مالك وأبو داود.
وروته عائشة ﵂ أيضا؛ قالت: «كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزاعا، فأمرني رسول الله ﷺ، فضربت له حصيرا، فصلى عليه » .
وساقت القصة إلى أن قال النبي ﷺ: «أيها الناس! أما والله ما بت ليلتي هذه بحمد الله غافلا، ولا خفي علي مكانكم » .
وروى أبو ذر؛ قال: «صمنا مع النبي ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة. فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف؛ حسب له قيام الليلة، فلما كانت الرابعة لم يقم بنا، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح - قلت: وما الفلاح؟ قال: السَّحُورُ -، ثم لم يقم بنا بقية الشهر» .
وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر؛ أحيى الليل، وشد المئزر، وأيقظ أهله» .
[ ٤٨ ]
وروى أبو هريرة؛ قال: «خرج النبي ﷺ فإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟. فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي [بهم]، وهم يصلون بصلاته. فقال النبي ﷺ: أصابوا، ونعم ما صنعوا» .
قال أبو داود: " هذا الحديث ليس بالقوي، يرويه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف ".
وروى مالك في " موطئه " عن أبي سلمة أنه سأل عائشة ﵂: «كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» .
[ ٤٩ ]
وروى مالك في " موطئه " عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: «خرجنا مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل. فجمعهم على أبي بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون» .
يعني: آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.
وقال أبو أمامة الباهلي: " ابتدعتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، فدوموا عليه إذا فعلتموه؛ فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا، ولم يراعوها، فعابهم الله تعالى بتركها "، ثم قرأ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ إلى آخر الآية.
[ ٥٠ ]