لقد وردت نصوص كثيرة في السنة في بيان فضل هذه الكلمة وعظم شأنها، وقد تنوعت هذه النصوص في الدلالة على تشريف هذه الكلمة وتعظيمها،مما يدل بجلاء على عظم فضل هذه الكلمة ورفعة مكانتها، وأنها كلمة عظيمة ينبغي علىكلِّ مسلم أن يعنى بها ويهتمّ بها غاية الاهتمام، وأن يكثر من قولها لعظم فضلها عند الله، وكثرة ثوابها عنده،ولما يترتب عليها من خيرات متنوعة وفضائل متعددة في الدنيا والآخرة، ومما يدل على فضل هذه الكلمة العظيمة ما يلي:
١- أنَّها وردت في عدة أحاديث مضمومة إلى الكلمات الأربع الموصفة بأنها أحبّ الكلام إلى الله.
فقد ثبت في المسند وسنن الترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما على الأرض رجلٌ يقول لا إله إلاّ الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، إلاّ كُفِّرت عنه ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر» ١.
وثبت في سنن أبي داود والنسائي والدارقطني وغيرهم عن ابن أبي أوفى ﵄ قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن فعلّمني شيئًا يجزيني قال:" تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله "، فقال الأعرابي هكذا وقبض يديه فقال: هذا لله فما لي، قال:"تقول: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واهدني" فأخذها الأعرابي وقبض كفيه، فقال النبي ﷺ:" أمَّا هذا فقد ملأ يديه بالخير " ٢.
_________________
(١) ١ المسند (٢ /١٥٨، ٢١٠)، وسنن الترمذي (رقم: ٣٤٦)، ومستدرك الحاكم (١ /٥٠٣) . قال الشيخ الألباني – ﵀ – في صحيح الجامع (رقم:٥٦٣٦): «صحيح» . ٢ سنن أبي داود (رقم: ٨٣٢)، وسنن النسائي (٢ /١٤٣)، وسنن الدارقطني (١ / ٣١٣ - ٣١٤) .وقال الألباني في صحيح أبي داود (١ / ١٥٧): «سنده حسن» .
[ ٦٧ ]
٢- ورودها معدودةً في الباقيات الصالحات التي قال الله عنها: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ ١.
فقد روي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:"استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد ولا حول ولا قوة إلاّ بالله"، رواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ٢، ولكن في إسناده أبو السمح دراج بن سمعان صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف٣، وهذا منها.
لكن جاء عدُّ لا حول ولا قوة إلاّ بالله في جملة " الباقيات الصالحات" عن غير واحد من الصحابة والتابعين، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أنَّ أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ سئل عن " الباقيات الصالحات " ما هي؟ فقال: «هي لا إله إلاّ الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله» ٤.
وروى ابن جرير عن ابن عمر ﵄ أنَّه سئل عن " الباقيات الصالحات " فقال: لا إله إلاّ الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ٥.
وعن سعيد بن المسيب قال: «الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله» ٦.
وروى ابن جرير الطبري عن عمارة بن صياد قال: «سألني سعيد بن المسيب عن " الباقيات الصالحات "، فقلت: الصلاة والصيام، قال: لم تصب، فقلت: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنَّهنَّ الكلمات الخمس: لا إله إلاّ الله، والله
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية (٤٦) . ٢ المسند (٣ / ٧٥)، وصحيح ابن حبان (الإحسان) (رقم: ٨٤٠)، والمستدرك (١/٥١٢) . ٣ انظر: تقريب التهذيب (٣١٠) . ٤ المسند (١ / ٧١) . ٥ تفسير الطبري (١٥ / ٢٥٥) . ٦ المصدر السابق (١٥ / ٢٥٤) .
[ ٦٨ ]
أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله» ١.
وأثر ابن المسيب هذا يوهم أنَّ " الباقيات الصالحات " محصورةٌ في هؤلاء الكلمات الخمس، والذي عليه المحققون من أهل العلم أنَّ " الباقيات الصالحات" هنّ جميع أعمال الخير، كما جاء عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَات﴾ قال: «هي ذكر الله، قول لا إله إلاّ الله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام والصلاة والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات، التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السموات والأرض» ٢.
٣ – إخبار النبي ﷺ أنَّها كنزٌ من كنوز الجنة.
فقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبّرنا، وفي رواية: فجعلنا لا نصعد شرفًا ولا نعلو شرفًا ولا نهبط في واد إلاّ رفعنا أصواتنا بالتكبير، فقال النبي ﷺ:" أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا بصيرًا"، ثم أتى عليّ وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، فقال: "يا عبد الله بن قيس، قل: لا حول ولا قوة إلاّ بالله فإنَّها كنزٌ من كنوز الجنة"، أو قال:" ألا أدلك على كلمة هي كنزٌ من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلاّ بالله " ٣.
قال بعض أهل العلم في التعليق على هذا الحديث: «كان عليه [الصلاة و] السلام معلِّمًا لأمته فلا يراهم على حالة من الخير إلاّ أحبّ لهم الزيادة،فأحب للذين رفعوا أصواتهم بكلمة الإخلاص والتكبير أن يضيفوا إليها التبري من
_________________
(١) ١ المصدر السابق (١٥ / ٢٥٦) . ٢ المصدر السابق مع الجزء والصفحة نفسها. ٣ صحيح البخاري (رقم:٤٢٠٥، ٦٣٨٤)، وصحيح مسلم (رقم: ٢٧٠٤) .
[ ٦٩ ]
الحول والقوة فيجمعوا بين التوحيد والإيمان بالقدر» ١، وقد جاء في الحديث:" إذا قال العبد لا حول ولا قوة إلاّ بالله، قال الله: أسلم واستسلم" رواه الحاكم بإسناد قال عنه الحافظ ابن حجر: «قوي» ٢.
وفي رواية: " ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة؟ تقول: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، فيقول الله ﷿: أسلم عبدي واستسلم" رواه الحاكم وقال: «صحيح ولا يحفظ له علة» ووافقه الذهبي.
قال النووي – ﵀ -: «ومعنى الكنز هنا أنَّه ثواب مدخرٌ في الجنة، وهو ثوابٌ نفيسٌ كما أنَّ الكنز أنفس أموالكم» ٣.
وقال ابن حجر – ﵀: «كنزٌ من كنوز الجنة من حيث أنَّه يدخر لصاحبها من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا؛ لأنَّ من شأن الكانز أن يعد كنزه لخلاصه مما ينوبه والتمتع به فيما يلائمه» ٤.
٤ – ورود الأمر بالإكثار منها والإخبار أنَّها من غراس الجنة.
روى الإمام أحمد وابن حبان عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنَّ النبي ﷺ ليلة أسري به مرَّ على إبراهيم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال: «يا محمد مُرْ أمَّتَك أن يكثروا من غراس الجنة، قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله» ٥.
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال:" أكثروا من قول لا حول ولا قوة إلاّ بالله فإنَّها كنزٌ من كنوز الجنة " ٦.
_________________
(١) ١ فتح الباري (١١/٥٠١) ٢ فتح الباري (١١ / ٥٠١) . ٣ شرح النووي على صحيح مسلم (١٧ / ٢٦) . ٤ نقله ابن علان في الفتوحات الربانية (١ / ٢٣٨) . ٥ المسند (٥ / ٤١٨)، وصحيح ابن حبان (الإحسان) (رقم:٨٢١) . ٦ المسند (٢ /٣٣٣)، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (رقم: ١٥٢٨) .
[ ٧٠ ]
٥ – إخبار النبي ﷺ أنَّها بابٌ من أبواب الجنة.
روى الإمام أحمد والحاكم عن قيس بن سعد بن عبادة أنَّ أباه دفعه إلى النبي ﷺ يخدمه قال: فمرّ بي النبي ﷺ وقد صليت فضربني برجله وقال:" ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ قلت: بلى، قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله" ١.
٦ – تصديق الله لمن قالها.
روى الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم عن أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم، أنَّه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أنَّهما شهدا على رسول الله ﷺ أنَّه قال:" إذا قال العبد: لا إله إلاّ الله والله أكبر، قال: يقول الله ﵎: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلاّ الله وحده، قال: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلاّ الله لا شريك له، قال: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلاّ الله له الملك وله الحمد، قال: صدق عبدي، لا إله إلاّ أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلاّ الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، قال: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا ولا حول ولا قوة إلاّ بي".
ثم قال الأغر شيئًا لم أفهمه، قلتُ لأبي جعفر: ما قال؟ قال: «من رُزِقهنّ عند موته لم تمسّه النار» .
وقال الترمذي: حديث حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الشيخ الألباني ﵀: وهو حديث صحيح٢.
قال ابن القيم – ﵀ -: «الذكر سبب لتصديق الرب ﷿ عبدَه،
_________________
(١) ١ المسند (٣ / ٤٢٢)، والمستدرك (٤ / ٢٩٠)، وانظر: الصحيحة (٤ / ٣٥ – ٣٧) . ٢ سنن الترمذي (رقم:٣٤٣٠)، وسنن ابن ماجه (رقم: ٣٧٩٤)، وصحيح ابن حبان (رقم:٨٥١)، ومستدرك الحاكم (١ / ٥)، والسلسلة الصحيحة (رقم: ١٣٩٠) .
[ ٧١ ]
فإنَّ الذاكر يخبر عن الله تعالى بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فإذا أخبر بها العبد صدَّقه ربُّه، ومن صدّقه اللهُ تعالى لم يحشر مع الكاذبين، ورجي له أن يحشر مع الصادقين» ١.
فهذه بعض الفضائل الدالة على عظم مكانة هذه الكلمة، ورفعة شأنها، وكثرة عوائدها وفوائدها، وعظم ما يترتب عليها من أجور عظيمة وخيرات جليلة وفوائد متنوعة في الدنيا والآخرة.
وقد نظم ابن العراقي – ﵀ – جملةً من الفضائل الواردة لهذه الكلمة في أبيات لطيفة فقال:
يا صاح أكثر قول لا حول ولا
قوة إلاّ فهي للداء دوا
وإنَّها كنز من الجنة يا
فوز امرئ لجنة المأوى أوا
له يقول ربنا أسلم لي
عبدي واستسلم راضيًا هوا
وأنشد أيضًا لنفسه:
تبرّأ من الحول والقوة
تنل أيَّ كنز من الجنة
وسلِّم أمورك لله كي
تبيت وتصبح في جنة
ولا ترج إن مسّ خطب سوى
إلهك ذي الفضل والمنة
وواظب على الخير واحرص على
أداء الفرائض والسنة
وكن سالم الصدر للمسلمين
من غلٍّ وحقد ومن ظنَّةٍ٢
_________________
(١) ١ الوابل الصيب (ص: ١٦٠) ٢ انظر: فضل لا حول ولا قوة إلاّ بالله لابن عبد الهادي (ص:٣٩ – ٤٠) .
[ ٧٢ ]