مر معنا في المباحث السابقة معنى هذه الكلمة العظيمة وشيء من فضائلها، وذكر جملة من دلائلها العقدية، وسيكون الحديث في هذا المبحث عن ذكر بعض المفاهيم الخاطئة المتعلقة بهذه الكلمة سواء في لفظها أو في معناها.
١ – فمن ذلك أنَّ من الناس من يخطئ في استعمال هذه الكلمة فيجعلها كلمة استرجاع ولا يفهم منها معنى الاستعانة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: «وذلك أنّ هذه الكلمة (أي: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله) هي كلمة استعانة لا كلمة استرجاع، وكثيرٌ من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعًا لا صبرًا» ١.
٢– ومن ذلك ما حكاه بعض أهل اللغة أنّه يقال فيها «لا حيل ولا قوّة إلاّ بالله» ٢.
قال النووي – ﵀: «وحكى الجوهري لغةً غريبة ضعيفة أنَّه يقال لا حيل ولا قوّة إلاّ بالله بالياء،وقال الحيل والحول بمعنى» ٣.
٣ – ومن ذلك اختصار بعض العوام لها عند نطقها بقولهم «لا حول الله»، وهذا من الاختصار المخلِّ، مع ما فيه من الغفلة عن كمال الأذكار الشرعية في مبانيها ومعانيها.
وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – عن ذلك فقال: «كأنّهم يريدون «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله» فيكون الخطأ فيها في التعبير، والواجب أن
_________________
(١) ١ الاستقامة (٢ / ٨١) . ٢ انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٥ / ٢٤٤)، والصحاح للجوهري (٤ / ١٦٨٢) ٣ شرح صحيح مسلم للنووي (٤ / ٨٧) .
[ ٨٣ ]
تعدل على الوجه الذي يراد بها فيقال «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله» ١.
٤ – ومن ذلك تحريف معناها عن غير وجهه وصرف دلالاتها عن مقصودها بالتأويلات البعيدة والتحريفات الباطلة، كقول يحيى بن ربيع الأشعري «فإنَّها – أي كلمة لا حول ولا قوّة إلاّ بالله – توقف على كلِّ جهة ما يليق بها، وتجعل للعبد قدرة كسبية حالية، وتجعل الإسناد للرب ﷾ عن كلِّ شريك في ذاته وصفاته وأفعاله، وتثبت الاقتدار من العبد، وتثبت أحوالًا بلا واسطة وقدرة في جبر، وهذا من الحُكْم العجيب جاءهم ليوافق قوله لا حول ولا قوّة إلاّ بالله على نصّها من غير تأويل» ٢.
قلت: بل هو عين التأويل الباطل، حيث جعل هذه الكلمة دالة على قول الأشاعرة بأنَّ العبد له قدرة غير مؤثرة يسمونها الكسب، ومحصل ذلك تقرير قول الجبرية القائلين بنفي القدرة عن العبد؛ إذ لا فرق بين من يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، وبين من ينفي قدرته أصلًا، ولهذا صرح هنا بأنَّها «قدرة في جبر» لأنَّها قدرة غير مؤثرة، وغاية ذلك أنَّ العبد مجبور على فعل نفسه كقول الجهمية سواء، والله أعلم.
وختامًا فإني أحمد الله الكريم على ما منّ به ويسر من إعداد هذا البحث، وأسأله سبحانه أن يتقبله بقبول حسن، وأن يجعله نافعًا لعباده، إنَّه جوّاد كريم، وهو سبحانه أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) ١ مجموع فتاواه ورسائله ﵀، جمع فهد السلمان (ص: ١٢٩) . ٢ الفتوحات الربانية (١ / ٢٤٢) .
[ ٨٤ ]