إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وبعد:-
فإن لعلماء السلف دورا كبيرا في الرد على النزعات الفلسفية التي دخلت على الأمة الإسلامية، من أعدائها لإفساد عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم، بهدف إبعادهم عن دينهم. وقد كان لليهود مجال كبير في إفساد عقائد المسلمين حيث اعتنق تلك الأفكار عنهم أناس قاموا بنشر تلك العقائد الفاسدة. ومنها الطعن في كتاب الله، للوصول إلى الطعن في أسماء الله وصفاته، كالقول بأن القرآن مخلوق.
وقد نشر هذه المقالة وحمل لواءها الجهم بن صفوان المتوفى سنة ١٢٨هـ مقتولا، وقد أخذ مقالته في نفي صفات الله تعالى عن الجعد بن درهم، والجعد أخذ التعطيل عن أبان بن سمعان، وأخذ أبان عن طالوت، وأخذ طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر رسول الله ﷺ. وكان لبيد زنديقا يقول بخلق التوراة١.
هذه سلسلة سند المعطلة الجهمية.
وقد حمل بشر المريسي لواء هذه الدعوة في خلافة المأمون، حيث لبس على المأمون الذي كان شغوفا بطلب المعرفة حتى أنه بنى دارا سماها بيت الحكمة جمع فيها كل ما وصلت إليه يده من كتب الفلسفة والمنطق، وقد نتج عن دراستها فيما يتعلق بالعقائد محن جرت على علماء السنة ممن اعتنقوا تلك الأفكار المنحرفة.
_________________
(١) ١ انظر الكامل لابن الأثيرج ٧/ ٧٥.
[ ٣ ]
وقد كان من هؤلاء العلماء المتصدين لهذه الأفكار المنحرفة- عبد العزيز الكناني الذي قاوم هذه الفكرة بشجاعته وصدعه بالحق مناصرة للسنة وجهرًا بالحق في مناظرته لبشر المريسي بين يدي المأمون- وقد كانت حصيلة تلك المناظرة كتاب "الحيدة" هذا الذي تضمن الأدلة القوية الصريحة في الرد على القائلين بخلق القرآن من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم ممن يقول بقولهم من رافضة، وزيدية في أقوالهم المريحة في مؤلفاتهم- وكذلك الأشعرية القائلين بأن هذا القرآن الموجود بين أيدينا مخلوق، كما ترى أدلة ذلك في هذه المقدمة- في مسألة القول بخلق القرآن وبيان أهداف المؤسسين لهذه الفكرة.
وحيث إن هذا الكتاب قد طبع مرات دون تحقيق وفيه أخطاء كثيرة- اللهم إلا طبعة المجمع العلمي- بدمشق. فهي طبعة محققه ولكن بتحقيق رجل نصراني وقد ظهر في مقدمته للكتاب- نزعته للقومية العربية.
ونحن نعلم أن الرد على هؤلاء الزنادقة الطاعنين في القرآن كبشر المريسي وغيره ممن سبقه، من علماء الإسلام هو رد لحماية العقيدة الإسلامية بالأدلة الصريحة من الكتاب، والصحيحة من السنة ولا صلة لتلك الردود بقومية عربية. وقد كان قيامي بتحقيق هذا الكتاب بناء على اقتراح أحد مشايخ الجامعة الإسلامية، وهو شيخي فقد درست عليه أربع سنوات في كلية الشريعة.
أما عملي في الكتاب فهو على النحو التالي:
أولا:- ترجمة موجزة للمؤلف، وقد ذكرت مصادر ترجمته، ثم نسخ المخطوطة المصورة من دار الكتب الوطنية التونسية الموجودة بقسم المخطوطات بمكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم ٤٠٤٠.
ومقابلتها بالنسخ المطبوعة، ومنها طبعة المجمع بدمشق لتحقيق النص.
ثانيا:- تحقيق نسبة الكتاب الى المؤلف.
ثالثا:- مسألة القول بخلق القرآن وبيان أهداف القائلين بها.
وبيان موضوع الكتاب.
ختمت ذلك بالفهارس الضرورية وهي.
[ ٤ ]
ثبت المراجع.
فهرس الآيات القرآنية.
فهرس الموضوعات.
أولا:- التعريف بعبد العزيز الكناني:
يقول الخطيب البغدادي:
عبد العزيز بن يحي بن عبد العزيز بن مسلم بن ميمون الكناني المكي١.
سمع عبد الله بن معاذ الصنعاني وسليم بن مسلمة المكي، وهشام بن سليمان المخزومي، ومروان بن معاوية، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن إدريس الشافعي.
وقدم بغداد في أيام المأمون وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القران وهو صاحب كتاب " الحيدة".
وقال في وصفه: كان من أهل العلم والفضل، وله مصنفات عدة، وكان ممن تفقه بالشافعي واشتهر بصحبته، فقد طالت صحبته له وأتباعه له وخرج معه إلى اليمن، وآثار الشافعي في كتب عبد العزيز المكي بينة عند ذكر الخصوص والعموم والبيان، كل ذلك مأخوذ من كتاب المطلبي ﵀. نقل ذلك عن داود ابن علي الأصبهاني الذي صنف كتاب فضائل الشافعي وذكر فيه أصحابه الذين أخذوا عنه.
_________________
(١) ١ مصادر ترجمته: الفهرست لابن النديم ص٢٧٥ . تاريخ بغداد ١٠/ ٤٤٩ . العبر ٤٣٤/١ . دول الإسلام ص ١٤٦ . طبقات الشافعية للشيرازي مر ١٠٣ . طبقات الشافعية لابن كثير الطبقة الأولى/ محطوط . طبقات الشافعية/ للسبكي ٢/ ٤، ١ ١٠ لميزان ٢/ ٦٣٩ لسان الميزان د/١٢٨ تهذيب التهذيب ٦// ٣٦٣ . شذرات الذهب ٢/ ٩٥
[ ٥ ]
وقال: لما دخل عبد العزيز بن يحي المكي على المأمون وكانت خلقته شنعة جدا فضحك المعتصم. أقبل عبد العزيز على المأمون فقال: "يا أمير المؤمنين لم ضحك هذا؟ لم يصطف الله يوسف لجماله، وإنما اصطفاه لدينه وبيانه، وقد قص ذلك في كتابه بقوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أو لم يقل لما رأى جماله. فبياني يا أمير المؤمنين أحسن من وجه هذا. فضحك المأمون وأعجبه قوله. وقال للمعتصم: إن وجهي لا يكلمك وإنما يكلمك لساني". اهـ
وفاته:
يقول الذهبي في العبر ١/ ٤٣٤ في وفيات سنة أربعين ومائتين.
"وفيها توفي عبد العزيز بن يحي الكناني المكي صاحب "الحيدة" سمع من سفيان ابن عيينة"، وناظر بشرا المريسي. وهو معدود في أصحاب الشافعي.
وقال في دول الإسلام ص ١٤٦ في وفيات سنة أربعين ومائتين.
قال: "وفيها توفي عبد العزيز بن يحي الكناني صاحب كتاب "الحيدة" وتلميذ الشافعي".
ثانيا:- إثبات نسبة كتاب "الحيدة" لعبد العزيز الكناني
إن نسبة كتاب "الحيدة" لعبد العزيز الكناني، وكذلك مناظرته لبشر المريسي بحضرة المأمون ثابتة كحادث تأريخي لم يشك في ذلك أحد من العلماء الذين نقلوا ذلك في كتبهم- اللهم إلا ما ورد عن الإمام الذهبي في كتابه "ميزان الاعتدال " من حيث إسناد الكتاب، وقد روى الكتاب ابن بطة بإسناد غير الإسناد الذي ذكره الذهبي كما سيأتي.
مع أن الذهبي قد أثبت كتاب الحيدة، والمناظرة في كتابيه العبر، ودول الإسلام كما تقدم.
أما ما ورد عن السبكي من طعن يا إثبات كتاب الحيدة، فقد تبع في ذلك قول الذهبي- وزاد قوله- إن في الكتاب أمورا مستشنعة، ثم قال- ولكنه موضوع كما قال شيخنا الذهبي. مع أن السبكي قد أثبت المناظرة، ولم يوضح لنا الأمور
[ ٦ ]
المستشنعة التي يراها ولو بمثال واحد. والواقع أنه لا شيء في الكتاب اللهم إلا ما يخالف عقيدة السبكي في القرآن، كما سيأتي بيان عقيدة الأشاعرة في القرآن.
ونبدأ بإيراد قول الذهبي، ثم بيان وجهة نظره، كما بينها ابن حجر في لسان الميزان، ومنا قشتها.
ثم إيراد إسناد ابن بطة للكتاب، إذ أيطلع عليه الذهبي، ثم إيراد أقوال العلماء الذين أثبتوا هذه المناظرة، وكتاب الحيدة لعبد العزيز الكناني.
يقول الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/ ٦٣٩ في ترجمة الكناني:
عبد العزيز بن يحي بن عبد العزيز الكناني المكي الذي ينسب إليه "الحيدة" في مناظرته لبشر المريسي إلى أن قال: قلت لم يصح إسناد كتاب الحيدة إليه فكأنه وضع عليه. والله أعلم.
أما السبكي فقد قال في طبقات الشافعية ١٤٤/٢: عبد العزيز بن يحي ابن عبد العزيز بن مسلم الكناني المكي الذي ينسب إليه كتاب بر الحيدة. وبعد أن ذكر ثناء العلماء عليه وصحبته للشافعي نقل عين أبي العيناء قوله: "لما دخل عبد العزيز المكي على المأمون وكانت خلقته شنعة جدا ضحك أبو إسحاق المعتصم"، فقال: "يا أمير المؤمنين أيضحك هذا لم يصطف الله يوسف ﵇ لجماله وإنما اصطفاه الله لدينه وبيانه فضحك المأمون وأعجبه إلى أن قال: وعلى إنه كان ناصرا للسنة في نفي خلق القرآن كما دلت عليه مناظرته مع بشر"، وكتاب الحيدة المنسوب إليه فيه أمور مستشنعة لكنه كما قال شيخنا الذهبي "لم يصح إسناده إليه"، ولا ثبت أنه من كلامه فلعله وضع عليه اهـ
هذا ما قاله السبكي، فهو يثبت وقوع المناظرة، لكنه يدعي أن في الحيدة أمورا مستشنعة، ولكنه كما سبق لم يبين لنا هذه الأمور ولو بمثال واحد. ونكتفي بعرض وجهة نظر الذهبي ثم مناقشتها كما ذكرها ابن حجر في لسان الميزان ثم نتبعها بإسناد ابن بطة لكتاب الحيدة ثم أقوال العلماء الذين ذكروا أن كتاب الحيدة من مؤلفات الكناني قبل الذهبي وبعده.
[ ٧ ]
الرابع: لو أن إسناد الكتاب تفرد به محمد بن الحسن بن الأزهر وحده ولم يأت له إسناد آخر كما سبق فإننا نقول إن نسبة الكتاب الثابتة لعبد العزيز الكناني كما سنرى ذلك من أقوال العلماء الثقات، لا يضره أن يأتي شخص مثل محمد بن الأزهر، فيروي الكتاب لأنه سيكون من باب قول رسول الله ﷺ لأبي هريرة ﵁: "صدقك وهو كذوب " ١ كيف وقد وجد له إسناد آخر.
وإليك ما قاله العلماء في إثبات هذه المناظرة بين عبد العزيز الكناني، وبشر المريسي عند الخليفة المأمون، وإثبات نسبة كتاب "الحيدة" للكناني:
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه البخاري في كتاب الوكالة/ باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا.. الخ فتح الباري ٤٨٧/٤ ح ا ٢٣١ ولفظه. عن أو هريرة ﵁ قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ. قال: إني محتاج وعلي عيال، ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه. فأصبحت فقال النبي ﷺ: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله ﷺ حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله. قال: أما انه كذبك وسيعود فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود. فرصدته، فعاد، وصنع مثل ما صنع أولا- فلما أصبح قال له رسول الله ﷺ مثل ما قال له في المرة الأولى- ثم عاد في المرة الثالثة قال أبو هريرة: فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول ﷺ وهذا. آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود ثم تعود. قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخفيت سبيله. قال: ما هي؟ قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النبي ﷺ: أما انه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا. قال: ذلك شيطان. اهـ. يقول ابن حجر في شرح الحديث ٤/ ٤٨٩ بعد أن ذكر فوائد كثيرة تؤخذ من هذا الحديث، الشاهد منها قوله: وبأن الكذاب قد يصدق. ونحن نقول هنا- أن الكذاب قد صدق برواية هذا الكتاب- بدليل ما أوردناه عن العلماء في إثبات هذه المناظرة التي جرت ويا إثبات نسبة هذا الكتاب لعبد العزيز الكناني، الذي هو حصيلة تلك المناظرة، ولأن ما ورد في الكتاب هو قول السلف جميعا، ويؤكد ذلك وجود إسناد الإمام ابن بطة لهذا الكتاب. أما ما ذكره السبكي من أن في الكتاب أمورا مستشنعة، فكما سبق القول أنه لم يذكر لنا مثالا واحدا من هذه الأمور التي يصفها بالشناعة. بل فيه إثبات أن هذا القرآن الذي نقرؤه هو كلام الله، وعند الأشاعرة جميعا ومنهم السبكي إن هذا القرآن بين أيدينا مخلوق. أما كلام الله عندهم فهو المعنى النفي القائم بالذات.
[ ٨ ]
- ابن النديم- يقول في الفهرست ص ٢٧٥: عبد العزيز الكناني من طبقة الحارث، كان متكلما مقدما وزاهدا عابدا وله في الكلام والزهد كتب، وتوفي وله من الكتب كتاب/ الحيدة فيما جرى بينه وبين بشر المريسي.
٢- الخطيب البغدادي - قال في تاريخ بغداد ١٠/ ٤٤٩: عبد العزيز بن يحي الكناني المكي سمع عبد الله بن معاذ الصنعاني وسليم بن مسلمة المكي إلى أن قال: قدم بغداد في أيام المأمون وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القرآن وهو صاحب كتاب " الحيدة".
٣- الذهبي نفسه - يقول في العبر ١/ ٤٣٤: وفي سنة أربعين ومائتين توفي عبد العزيز بن يحي الكناني المكي صاحب كتاب/ الحيدة. ويقول في دول الإسلام ص ١٤٦: وفي سنة أربعين ومائتين توفي عبد العزيز بن يحي الكناني صاحب كتاب/ الحيدة.
٤- ابن كثير- ويقول ابن كثير في طبقات الشافعية١ الطبقة الأولى: عبد العزيز الكناني صاحب كتاب/ الحيدة في مناظرة الجهمية روى عن الشافعي. قال الخطيب البغدادي هو صاحب كتاب/ الحيدة. قد طالت صحبته للشافعي، ثم نقل عن الشيرازي من طبقات الشافعية قول أبي إسحاق: وهو المكي المتكلم الذي ناظر بشرا المريسي.
٥- أبو إسحاق الشيرازي - الذي أشار إلى قوله ابن كثير، يقول في طبقات الشافعية ص ١٠٣ ومنهم عبد العزيز بن يحي الكناني المكي المتكلم، وهو الذي ناظر بشرا المريسي عند المأمون في نفي خلق القرآن، قال دود بن علي. هو أحد أصحاب الشافعي أخذ عنه وطالت صحبته وأتباعه له وخرج معه إلى اليمن. اهـ.
٦- ابن حجر- ويقول ابن حجر في تهذيب التهذيب ٤٦٣/٦ وقد ذكر شيوخه وتلاميذه ثم نقل عن الخطيب قوله: قدم بغداد في أيام المأمون وجرت بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القرآن وهو صاحب كتاب/ الحيدة. وكان من أهل العلم والفضل وله مصنفات عدة، وكان ممن تفقه للشافعي واشتهر بصحبته.
_________________
(١) ١ مخطوط/ مكتبة الشيخ حماد الأنصاري.
[ ٩ ]
ومما يؤكد أن رأي الذهبي وجهة نظر قابلة للنقاش- أن ابن حجر الذي ذكر وجهة النظر هذه كما تقدم قد نقل نصا من "الحيدة" في فتح الباري ١٣/ ٤٥٢ في شرح باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شيء﴾ فقد قال: وأشار ابن بطال إلا أن البخاري انتزع هذه الترجمة من كلام عبد العزيز بن يحي المكي فإنه قال في كتاب "الحيدة" سمى الله تعالى نفسه شيئا إثباتا لوجوده ونفيا للعدم عنه وكذا أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه ولم يجعل لفظ شيء من أسمائه بل دل على نفسه إنه شيء تكذيبا للدهرية ومنكري الإلهية من الأمم، وسبق في علمه إنه سيكون من يلحد في أسمائه ويلبس على خلقه ويدخل كلامه في الأشياء المخلوقة فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فأخرج نفسه وكلامه من الأشياء المخلوقه ثم وصف كلامه بما وصف به نفسه فقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ فدل على كلامه بما دل على نفسه ليعلم أن كلامه صفة من صفات ذاته فكل صفة تسمى شيئا بمعنى أنها موجودة١.
فعمل ابن حجر هذا يبين لنا أنه لو كان موافقا للذهبي في وجهة نظره لما نقل هذا النص الذي أشار فيه ابن بطال إن البخاري انتزع هذه الترجمة من كلام عبد العزيز المكي من "كتاب الحيدة".
٧- وقد أشار إلى هذه المناظرة ابن الجوزي في المنتظم٢ ٨/ ٤١ حيمسا قال:
"وفي سنة أربعمائة وعشرين في عهد القادر، في يوم الاثنين غرة ذي القعدة جمع القضاة والشهود والفقهاء والوعاظ والزهاد إلى دار الخلافة وقريء عليهم كتاب طويل جدا يتضمن ذكر أبي بكر وعمر وفضائلهما إلى أن قال: وأعيد فيه ما جرى بين بشر المريسي وعبد العزيز المكي في ذلك". اهـ
٨- ويقول: ابن العماد في شذرات الذهب٢/ ٩٥ في وفيات سنة ٢٤٠ هـ وفيها توفي عبد العزيز بن يحي الكنافب المكي، سمع سفيان بن عيينة وناظر
_________________
(١) ١ انظر هذا النص ورقة ١٠/ ب، ١١/٢ وص ٢٧، ٢٨ من هذه الرسالة لمطابقتها لما نقله ابن حجر في فتح الباري ١٣/٤٠٢. ٢ المنتظم/ لابن الجوزى الطبعة الأولى دائرة المعارف حيدر آباد سنة ١٣٥٩ هـ
[ ١٠ ]
يقول ابن حجر في لسان الميزان ٥/١٢٨ في ترجمة محمد بن الأزهر:
محمد بن الحسن بن الأزهر الدعاء. عن عباس الدوري اتهمه أبو بكر بن الخطيب بأنه يضع الحديث.
قلت: هو الذي انفرد برواية كتاب الحيدة، رواه عنه أبو عمر بن السماك، ورأيت له حديثا رجاله ثقات سواه، وهو كذب في فضل عائشة. ويغلب على ظني أنه هو الذي وضع كتاب الحيدة، فإني لأستبعد وقوعه جدا.
ثم قال ابن حجر: "ووجه استبعاد المصنف كتاب الحيدة، إنه اشتمل على مناظرات أقيمت فيها الحجة لتصحيح مذهب أهل السنة عند المأمون والحجة قول صاحبها. نجلو كان الأمر كذلك ما كان المأمون يرجع إلى مذهب الجهمية ويحمل الناس عليه ويعاقب على تركه ويهدد بالقتل وغيره كما هو معروف في أخباره في كتب المحنة. اهـ
هذه وجهة نظر الذهبي، وهي مبنية على أمرين:
الأول: انفراد محمد بن الحسن بن الأزهر برواية الكتاب، ومعناه أنه إذا وجدنا إسنادا آخر للكتاب، صحت النسبة ولا اعتراض عليه.
وبحمد الله- قد وجدنا إسناد ابن بطة في الإبانة وسنورده بعد هذا، وبذلك يذهب الاعتراض.
الأمر الثاني: وجهة نظر عقلية- وهي مبنية على أنه إذا كانت هذه المناظرة حدثت، فكيف يبقى المأمون على اعتقاده.
فهل هذه الوجهة تكفي لرد هذا الكتاب الذي اشتهر أمره بين العلماء وتداولوه في كتبهم، ومنهم الإمام الذهبي نفسه فقد ذكره في كتابيه، العبر، ودول الإسلام كما سيأتي.
وحيث إن وجهة النظر هذه مبنية على إسناد الكتاب الذي انفرد به محمد بن الأزهر فإليك الإسناد الآخر للكتاب من الإبانة لابن بطة:
يقول ابن بطة في الإبانة ورقة ١٦٠ مخطوط بالجامعة الإسلامية:
باب ذكر مناظرات الممتحنين بين يدي الملوك الجبارين الذين دعوا الناس إلى هذه الضلالة.
[ ١١ ]
ثم قال: مناظرة عبد العزيز بن يحي المكي لبشر بن غياث المريسي بحضرة المأمون.
حدثنا أبو حفص محمد بن عمر بن محمد بن رجاء قال ثنا أبو أيوب عبد الوهاب بن عمرو النزلي قال حدثني أبو القاسم العطاف بن مسلم قال حدثني الحسين بن بشر ودبيس الصائغ ومحمد بن فرقد قالوا: قال لنا عبد العزيز بن يحي المكي الكناني: "أرسل إلي المأمون أمير المؤمنين وأحضرني وأحضر بشر" الخ. ثم ذكر نماذج من كتاب الحيدة استغرق من ورقة ١٦٠/ ب سطر ١٢ إلى ورقة ١٦٥/ أسطر ١٧ لأن الصفحة تشمل ٢٣ سطرا ثم اتبعها بقوله: باب ذكر محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ لابن١ داود وأصحابه بحضرة المعتصم الخ.
فهذا إسناد للكتاب غير الإسناد الذي انفرد به محمد بن الحسن بن الأزهر الذي يرى الذهبي انه انفرد بروايته، فطعن فيه من أجله، ومع ذلك فإننا سنناقش وجهة النظر هذه، وهي لماذا بقي المأمون على عقيدته إن كانت هذه المناظرة حصلت على هذا الوجه.
فهذه الوجهة العقلية هي التي بنى عليها الإمام الذهبي حكمه حيث قال: "ويغلب على ظني أنه هو الذي وضع كتاب الحيدة، فإنني لاستبعد وقوعه جدا. فحكم الذهبي ﵀ كما ترى هو بغلبة الظن- لا بالقطع والإجابة على غلبة الظن هذه بالأمور التالية:
الأول: أننا قد وجدنا إسنادا آخر للكتاب غير الإسناد الذي انفرد به محمد ابن الأزهر، وهو الذي قال الإمام الذهبي فيه هذا الكلام- أي يغلب على ظنه أن محمد بن الأزهر هو الذي وضع هذا الكتاب وقد سبق ذكر الإسناد عن الإمام ابن بطة من كتاب الإبانة.
_________________
(١) ١ لعله. مع أبي داود وأصحابه بحفره المعتصم.
[ ١٢ ]
الثاني: أن المناظرة بين الكناني وبشر المريسي ثابتة كحادثة تأريخية بين يدي المأمون لم يشك في وقوعها أحد لا الذهبي ولا السبكي، فكلاهما يثبتها، بل إن الذهبي أثبت إضافة إلى المناظرة كتاب الحيدة في كتابيه العبر، ودول الإسلام.
الثالث: كون المأمون بقي بعد تلك المناظرة على رأيه، لا ينهض دليلا على عدم وقوع المناظرة، ولا طعنا في كتاب "الحيدة" الذي هو حصيلة تلك المناظرة، لأن الشبهة التي ليس بها الجهمية على المأمون كانت قوية بحيث أصبحت عند المأمون عقيدة يرى أن مخالفها كافر مرتد يستحق العقوبة بالقتل، فكم من مناظرة قد أقيمت بين يديه، وكم من عالم حبس وضرب، بل وقتل، فمن أجل هذه الشبهة القوية لم يستطع المأمون التخلص منها، ويدل لذلك أن بشرا وأتباعه لازالوا بعد المناظرة يستغلون الفرص المناسبة للطعن على الكناني عند المأمون، وقد ذكر ذلك الكناني نفسه في هذه الرسالة، فقد قال يا ورقة ٣٦/ ب من المخطوطة ص ١٢٠ من الرسالة- قال: فسر المسلمون جميعا بما وهبه الله لهم من إظهار الحق وقمع الباطل وجعل الناس يجيؤون إلي أفواجا حتى أغلقت بابي واحتجبت عنهم خوفا على نفسي وعليهم من مكروه يلحقنا فقالوا: لابد أن تملي علينا ما جرى لنعرفه ونتعلمه، فتهيبت ذلك وتخوفت سوء عاقبته فلما ألحوا في قلت لهم: "أذكر لكم بعض ما جرى مما لا يكون علي حجة في ذكره فرضوا بذلك فأمليت عليهم أوراقا يسيرة مقدار عشر أوراق مختصرة مما جرى لأقطعهم بها عني وعن ملازمة بابي"، ولم يتهيأ لي شرح هذا كله، لما تخوفت على نفسي مما قد يلحقني بعضه، وأنا أذكر بعد هذا المجلس ما جرى، بسبب تلك الأوراق التي كتبها الناس عني في كتاب مفرد بعد هذا إن شاء الله.
فيؤخذ من كلام الكناني هذا أنه قد بدأ بكتابة هذه المناظرة بنفسه، فقد كتب مقدار عشر أوراق، ويظهر من هذا أنه أكمل الباقي بعد ذلك لأن الكتاب كله يتكون من سبع وثلاثين ورقة.
وأن بشرا وأتباعه مازالوا يلبسون على، المأمون، ويحثونه على إيذاء المخالفين لهم لاسيما عبد العزيز الكناني في هذا الم لمحت الذي انتشر فيه خبر المناظرة، كما أشار الكناني إلى ذلك.
[ ١٣ ]
بشرا المريسي في مجلس المأمون بمناظرة عجيبة غريبة فانقطع بشر وظهر عبد العزيز، ومناظرتهما مشهورة مسطورة، وعبد العزيز هو صاحب "الحيدة" وهو معدود في أصحاب الشافعي.
وابن أبي العز الحنفي في كتابه شرح الطحاوية.
٩- فقد قال في ص ١٢٢-١٢٣ الطبعة الثانية تحقيق زهير الشاوش
قال: وبمثل ذلك ألزم الإمام عبد العزيز المكي بشرا المريسي بين يدي المأمون، بعد أن تكلم معه ملتزما أن لا يخرج عن نص التنزيل وألزمه الحجة، فقال بشر: "يا أمير المؤمنين ليدع مطالبتي بنص التنزيل ويناظرني بغيره، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه، ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال". قال عبد العزيز: تسألني أم أسألك؟
فقال بشر: اسأل أنت، وطمع فيّ فقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها إما أن تقول: إن الله خلق القرآن، وهو عندي أنا كلامه- في نفسه أو خلقه قائما بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره"؟
قال: "أقول: خلقه كما خلق الأشياء كلها". وحاد عن الجواب. فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة ودع بشرا فقد انقطع. فقال عبد العزيز؟ إن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لأن الله لا يكون محلا للحوادث المخلوقة، ولا يكون فيه شيء مخلوق. وإن قال خلقه في غيره فيلزم في النظر والقياس إن كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلامه. فهو محال أيضا لأنه يلزم قائله أن يجعل كل كلام خلقه الله في غيره- هو كلام الله إلى أن قال: هذا مختصر من كلام الإمام عبد العزيز في "الحيدة" انظره في الحيدة ص
وبهذا يتضح أنه ليس عند الذهبي ﵀ في رد الكتاب إلا وجهة نظر ذكرها في لسان الميزان، وبسببها استبعد وقوع هذه المناظرة وهي عدم رجوع المأمون عن رأيه في خلق القرآن، وقد عرفنا إن الشبهة كانت قوية، وأن بشرا وإتباعه لا زالوا يتابعون الكناني ويستثيرون المأمون عليه، كما أشار هو لذلك. ثم إن الذهبي ﵀ نفسه أثبت نسبة الحيدة- للكناني في كتابيه العبر، ودول الإسلام، وكذلك العلماء الآخرون قبله وبعده كالخطيب، وابن النديم،
[ ١٤ ]
وأبو إسحاق الشيرازي، وابن كثير، وكذلك السبكي فإنه أثبت المناظرة، أما ما أشار إليه من الأمور المستشنعة في الرسالة- فإنه لم يوضح ذلك ولو بمثال واحد كما سبق ذلك. كل ذلك يجعلنا نطمئن إلى أن كتاب "الحيدة" هو من تأليف عبد العزيز الكناني وقد نصر فيه السنة، وقمع البدعة، وقد استفاد من هذا الكتاب أناس كثيرون. غير المأمون الذي لم يستفد من تلك المناظرة ومعلوم أن المأمون لا يريد إلا الحق، ولكنه لم يهتد إليه- ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ١٢/ ٤٨٨.
"فإن الإمام أحمد قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل من الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو إلى أن قال: ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق"، كما ذكر في ص ٥٠١: إن من ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة. اهـ
ومن هنا نقول: إن هذه المناظرة وإن قامت فيها الحجة للكناني على بشر المريسي أمام المأمون إلا أن الشبهة على المأمون أن كانت قوية، فلم تزل عنه بتلك المناظرة.
ثالثا: مسألة خلق القرآن
إن القول بخلق القرآن فكرة يهودية أراد بها أصحابها الطعن في ذات الله وأسمائه وصفاته لأن أول قائل بها يهودي زنديق.
وذلك لأن القرآن الكريم كلام الله، وكلامه صفة من صفاته، والله بأسمائه وصافاته واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ونم يكن له كفوا أحد، وقد نزلت سورة
[ ١٥ ]
الإخلاص جوابا لسؤال المشركين واليهود الموجه لرسول الله ﷺ بأن يصف لهم ربه.
فالقول بأن القرآن مخلوق طعن في صفاته تعالى وأنها مخلوقة، وهذا القول كفر ومن هنا حكم العلماء على أن من أزيلت عنه الشبهة وأقيمت عليه الحجة في هذه المسألة وبقي معاندا فإنه كافر.
أما إن هذه الفكرة يهودية فإليك بيانها:
يقول ابن الأثير في الكامل ٧/ ٧٥ وفي سنة أربعين ومائتي توفي القاضي أبو عبد الله أحمد بن داود في المحرم بعد ابنه أبي الوليد بعشرين يوما، وكان داعية إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر المريسي، وأخذه بشر من الجهم بن صفوان، وأخذه جهم من الجعد بن درهم، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وختنه، وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان زنديقا فأفشى الزندقة. اهـ.
هذا أصل فكرة القول بخلق القرآن، وهذا منشؤها، وهذه أهداف القائلين بها، فالذين حملوا راية هذه البدعة عن الجهمية ورئيسهم الجهم بن صفوان الذي قتل عام ١٢٨ هـ المعتزلة، وقد أثروا على الخليفة العباسي المأمون، الذي كان صاحب همة وولع بالمعرفة، وقد أنشأ ما عرف في زمن خلافته ببيت الحكمة، وحدث باعتناقه لهذه الفكرة بلاء عظيم على الإسلام وعلماء السنة، وقد عرفت تلك الفترة بمحنة القول بخلق القرآن، وقد قتل فيها من قتل وحبس من حبس وجلد من جلد حتى رفع الله هذه المحنة في خلافة المتوكل وعاد الأمر إلى أهل السنة وأشهر القول ببدعة القول بخلق القرآن وأعلن مذهب أهل السنة في القرآن وإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.
ولكن قول المعتزلة هذا تسرب إلى الأشاعرة الذين نجد في ظاهر كلامهم معاداتهم للمعتزلة والرد عليهم ولكن أفكار المعتزلة دخلت عليهم، وقد عرف عن الأشاعرة إثباتهم لسبع صفات ومنها صفة الكلام، فيا ترى هل يقولون بأن هذا القرآن الموجود بين أيدينا هو كلام الله وصفة من صفاته منه بدأ وإليه يعود، أو إن هذا النظم الموجود في المصحف مخلوق.
[ ١٦ ]
الجواب:- أن الأشاعرة القدامى منهم والمعاصرون يقولون: إن هذا القرآن الموجود في المصحف مخلوق، وإنما هو عبارة أو حكاية- عن كلام الله الذي عرفوه- أعني- الكلام- أنه معنى قائم بالنفس وهذا الموجود هو عبارة أو حكاية عن كلام الله، ولم يبينوا من الذي عبر أو حكى كلام الله هل هو جبريل ﵇ أو محمد ﷺ، وقد نفى الله عن كلامه هذا، أي القرآن الكريم أن يكون من كلام البشر، أو كلام جبريل كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وهذا الكلام الذي يسمعه المشرك المستجير، هو الموجود في المصحف، وليس الكلام النفسي القائم بالذات.
أما كون الأشاعرة يقولون-أن القرآن مخلوق فإليك بيان ذلك عن السابقين واللاحقين:
١- من القدامى يقول صاحب جوهرة التوحيد ص ٥٤
ونره القرآن أفي كلامه عن الحدوث وأحذر انتقامه
ويقول الشارح للجوهرة البيجوري بعد أن رد على المعتزلة قولهم:
إن القرآن مخلوق، قال: ومذهب أهل السنة- ويعني بهم الأشاعرة- أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال القرآن مخلوق ويراد به اللفظ الذي نقرؤه إلا في مقام التعليم لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق. أي الكلام النفسي. اهـ.
أما الكاتب المعاصر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فيقول في كتابه "كبرى اليقينات الكونية" الطبعة الثامنة سنة ١٤٠٢هـ ص ١٢٦ في حديثه عن صفة الكلام قال: إذا تأملت فيما ذكرناه أدركت النقطة الخلافية بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة- ويعني بأهل السنة والجماعة- الأشاعرة، وهي أن هناك معنى لألفاظ القرآن يتكون فيه الأمر والنهي والأخبار المتوجه إلى الناس، وهو قديم. فما اسم هذا المعنى؟.
المعتزلة: اسمه العلم إذا كان أخبارا، والإرادة إذا كان أمرا ونهيا.
الجمهور: اسمه الكلام النفسي، وهو صفة زائدة على كل من العلم والإرادة قائم بذاته تعالى.
[ ١٧ ]
وأما الكلام الذي هو اللفظ، فاتفقوا على أنه مخلوق، وعلى أنه غير قائم بذاته سبحانه. باستثناء أحمد بن حنبل وبعض أتباعه، فقد ذهبوا إلى أن هذه الحروف والأصوات أيضا قديمة بذاتها، وإنها هي المعنى بصفة الكلام.
ثم قال: ولا تدخل- بعد أن عرفت نقطة الوفاق والخلاف- في شيء من المناقشة والجدال اللذين قاما حول هذا البحث، لاعتقادنا بأن الخطب أيسر من ذلك، وإن كنا نعتقد ما ذهب إليه الجمهور من أن المعنى الذي هو مدلول العبارات اسمه الكلام النفي، وأنه صفة زائدة على كل من صفتي العلم والإرادة إلى أن قال: ومعظم ما تسمعه من الأصداء الرهيبة للخلاف التاريخي في هذه المسألة، إنما منشؤه الخلاف بين أحمد بن حنبل ﵁ والفرق الأخرى كالجهمية والمعتزلة.
هذا كلام البوطي المعاصر فهو يقرر أن هذا القرآن بين أيدينا مخلوق، وأنه لا فرق بين- جمهور أهل السنة- والمقصود بهم الأشاعرة- وبين المعتزلة في ذلك. ثم إنه يقلل من المحنة التي ثبت فيها الإمام أحمد بن حنبل وأظهر الله الحق على يديه بعد أن تعرض للضرب والحبس والإهانة في هذه المسألة- فيقول بهذا الكلام الساخر: ومعظم ما تسمعه من الأصداء الرهيبة للخلاف التاريخي في هذه المسألة إنما منشؤه الخلاف بين أحمد بن حنبل الخ ولم يقل حتى- الإمام.
هكذا يرى أن هذا الخلاف لا قيمة له، ما دام الأشاعرة والمعتزلة متفقون على أن القرآن مخلوق.
ونحن نوضح هذا للشباب الذي يتمسك بمنهج السلف الصالح، ليكون على بينة من أن الأفكار القديمة التي فرقت كلمة الأمة الإسلامية وحاربها علماء الأمة دفاعا عن الدين والعقيدة السليمة لازالت سارية يعتنقها الكثيرون ويروجون لها ويطعنون ويهونون من تضحيات أولئك الذين وقفوا ضد محنة القول بخلق القرآن، وقد قتل فيها من قتل، وسجن من سجن، وضرب من ضرب كالإمام أحمد بن حنبل الذي أيد الله أهل السنة والجماعة بثباته في تلك المحنة.
[ ١٨ ]
والبوطي كما ترى يقلل من تلك المحنة، بل إن العلماء الذين قتلوا وعذبوا كانوا على غير صواب، لأن القرآن الموجود بين أيدي المسلمين مخلوق.
موضوع الكتاب
أما موضوع الكتاب- فهو الرد على القائلين بأن القرآن مخلوق وقد ذكر ذلك
في مقدمة الكتاب حيث قال:
"اتصل بي وأنا بمكة ما قد أظهر بشر بن غياث المريسي ببغداد من القول بخلق القرآن، ودعائه الناس إلى موافقته على قوله ومذهبه وتشبيهه على أمير المؤمنين المأمون، وعامة الناس، وما قد دفع الناس إليه من المحنة والأخذ في الدخول في هذا الكفر والضلالة، ورهبة الناس وفزعهم من مناظرته وإحجامهما. عن الرد عليه واستتار المؤمنين في بيوتهم وانقطاعهم عن الجُمعات والجماعات وهربهم من بلد إلى بلد خوفا على أنفسهم وأديانهم وكثرة موافقة الجهال والرعاع من الناس لبشر على مذهبه وكفره وضلالته والانتحال لمذهبه رغبة في الدنيا ورهبة من العقاب الذي كان يعاقب به من خالفه على مذهبه "
وقد جرت المناظرة بين بشر المريسي وعبد العزيز الكناني في هذه المسألة وقد أورد الكناني في هذه المناظرة الأدلة القاطعة الدامغة لمن ينتحل هذه الفكرة بأسلوب أدبي علمي عجيب دل على سعة علم الكناني ومعرفته لكتاب الله وسنة رسوله فقد انتزع منه الحجج القطعية التي أبطل بها مذهب الجهمية والمعتزلة ومن يقول بقولهم من أن القرآن مخلوق.
وقد أصلت المناظرة على الاحتجاج بنص التنزيل والرجوع عند الاختلاف إلى كتاب الله أو سنة رسوله، ولما عجز بشر عن ذلك طلب المناظرة بالنظر والقياس، فأجابه الكناني لذلك، ثم أبطل حجته.
وهي رسالة جديرة بالقراءة، ومن قرأها مرة فلابد أن يعود إليها مرة أخرى لما حوته من معلومات قيمة وأسلوب أدبي علمي رفيع.
[ ١٩ ]