ولهذا قال الشيخ:
١١٩- ومن أعجب الأشياء: خلق مشيئة بها صار مختار الهدى بالضلالة
١٢٠- فقولك: هل اختار تركا لحكمة١؟ كقولك: هل اختار ترك المشيئة؟
١٢١- وأختار [أن] ٢ لا اختار فعل ضلالة ولو نلت هذا الترك فزت بتوبة
١٢٢- وذا ممكن، لكنه متوقف على ما يشاء الله من ذي المشيئة
الشرح:
يقول الشيخ: إن من أعجب الأشياء: أن خلق الله للعبد مشيئة يتمكن بها من كل ما يريد. فيختار بها الهدى، إن كان من أهل السعادة ويختار بها الضلالة، إن كان من أهل الشقاوة. والعبد هو الذي يفعل ويعمل ويكسب: من غير ممانع له عما يريده.
فقولك أيها المعترض عليه: هل أختار ترك حكم الله وقدره؟
مثل قولك: هل أختار ترك مشيئتي؟
_________________
(١) ١ في (س): "لحكمة". ٢ ما بين المعقوفتين زيادة من (س) والفتاوى والعقود.
[ ٧٦ ]
يعني: فأنت الذي اخترت أفعال المعاصي، فلو زعمت: أنك لا تختار ولا تحب فعل الضلالة والغي، فأنت بين أمرين:
*إما أن تكون كاذبا، وهو الواقع على كل من يعترض على المعاصي بالقدر ولكنه يريد بهذا الكلام دفع الشنعة عليه، وقصده معروف، فهو يعرف من نفسه: أنه لا يختار ولا يحب أن يترك ما باشره من الكفر والإجرام.
*فلو فرض وقدر على وجه الإمكان أنه صادق في قوله: "إني أختار أن لا أختار فعل الضلالة"، وكان ذلك من صميم قلبه صادقا في ذلك لو كان الأمر كذلك، لكان هذا توبة.
لأن العبد متى كانت له إرادة مصممة على فعل ما يحبه الله، وعلى ترك ما يكرهه الله: أقبل بهذه الإرادة إلى الخيرات، وانصراف عن السوء والسيئات، وكان توبة له من جميع الموبقات.
ولكن من وفق لهذه الحال، كان أبعد الناس عن الاحتجاج بالقدر. والوصول إلى هذه الدرجة العالية، ممكن في حق كل أحد، ولكنه يتوقف على مشيئة الله وإرادته.
ومن لجأ إلى الله وأناب إليه، هداه الله، وشاء منه أن يفعل ما يحبه ويرضاه.
وأشار الشيخ إلى هذا الفرق اللطيف، بقوله:
"على ما يشاء الله من ذي المشيئة"
[ ٧٧ ]
و"ذو المشيئة": هو العبد.
وهذا الفرق اللطيف هو: أنه إن شاء الله تعالى أن يعين عبده على فعل ما يحبه ويرضاه، وشاء من عبده ذلك الفعل: حصل المطلوب، وفاز العبد بكل مرغوب.
وإن لم يشأ تعالى إعانة عبده، بل أمره بالخير وأحب منه أن يفعله، ونهاه عن الشر وكره له فعله، ولكن لم يشأ من نفسه لإعانته: بقي العبد على ما اختاره لنفسه: من الإقامة على مساخط الله.
[ ٧٨ ]