كان رجل قد غلا في الجبر غلوا عظيما، فكان يعتذر بالقدر عند كل جليل وحقير: حتى آلت به الحال إلى الإستهتار، وانتهاك أصناف المعاصي وكلما نصح وليم على أفعاله، جعل القدر حجة له في كل أحواله.
وكان له صاحب يعذله وينصحه عن هذه المقالة التي تخالف العقل والنقل والحس، ولا يزيده العذل إلا إغراء.
وكان صاحبه ينتظر وينتهز الفرصة في إلزامه بأمور تختص به وتتعلق.
وكان هذا الجبري صاحب ثروة له أموال منوعة، وقد وكل عليها الوكلاء والعملة. فصادف في وقت متقارب أن جاءه صاحب ماشية.
فقال: إن الماشية هلكت وتلفت جميعها: لأني رعيتها في أرض جذبة ليس فيها عود أخضر.
فقال له: فعلت ذلك وأنت تعلم أن الأرض الفلانية خصبة؛ فما عذرك في ذلك؟
فقال: قضاء الله وقدره.
_________________
(١) ١ راجع: في الرد على الجبرية شفاء العليل لابن القيم ص (٣٥١-٣٧٥) الباب التاسع عشر في ذكر مناظرة جرت بين جبري وسني جمعهما مجلس مناظرة.
[ ٨٩ ]
وكان ممتلئا غضبا قبل ذلك؛ فزاد غضبه من هذا الكلام، واستشاط غضبه، وكاد يتقطع من هذا الاعتذار.
وجاءه صاحب البضاعة، فقال: إني سلكت الطريق المخوف، فاقتطع المال قطاع الطريق.
فقال له: كيف تسلك هذا الطريق المخوف مع علمك أنه مخوف وتترك الطريق الآمن الذي لا تشك في أمنه؟!
فأجابه مثل جواب الراعي للماشية، وعمل معه الجبري ما عمله مع صاحبه.
ثم جاءه وكيله على تربية أولاده وحفظهم، فقال: إني أمرتهم أن ينزلوا في البئر الفلانية ليتعلموا السباحة فغرقوا.
فقال: لم فعلت ذلك، وأنت تعلم أنهم لا يحسنون السباحة؟ والبئر المذكور تعلم أن ماءها غزير؛ فكيف تتركهم ينزلون فيها وحدهم وأنت لست معهم؟!
فقال: هكذا قضاء الله وقدره.
فغضب عليه غضبا لا يشبه الغضب على الأولين، وكاد الغضب أن يقتله. وكل واحد من هؤلاء الذين وكلهم على ما ذكرنا يزداد غضبه عليه إذا قال له: هذا قضاء الله وقدره.
فحينئذ قال له صاحبه: يا عجبا لك يافلان! كيف قابلت هؤلاء
[ ٩٠ ]
المذكورين بهذا الغضب البليغ، ولم تعذرهم حين اعتذروا بالقدر، بل زاد هذا الاعتذار في جرمهم عندك، وأنت مع ربك في أحوالك المخجلة قد سلكت مسلكهم وحذوت حذوهم؟!
فإن كان لك عذر: فهم من باب أولى أعذر وأعذر، وإن كانت أعذارهم تشبه التهكم والاستهزاء؛ فكيف ترضى أن تكون مع ربك هكذا؟!
فانتبه الجبري حينئذ، وصحا بعدما كان غارقا في غلوه.
وقال: الحمد لله الذي أنقذني مما كنت فيه، وجعل لي موعظة وتذكيرا من هذه الوقائع التي وقعت لي، ولمست فيها غلطي الفاحش.
والآن أعتقد: أن ما حصل لي من نعمة الهداية إلى الحق، أعظم عندي من هذه المصائب الكبيرة. كما تحققت فيه قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
[ ٩١ ]