طال الخصام بين قدري يعتقد: أن أفعال العباد لا تتعلق بها مشيئة الله وبين جبري يعتقد: ضد ذلك، وأنهم مجبورون على أفعالهم، واقعة بغير اختيارهم؛ لأنهما متباعدان في طرفي نقيض.
فاتفقا على التحاكم إلى عالم من علماء أهل السنة، يعرفان كمال معرفته، وكمال دينه.
فقال السني: ليعرض كل منكما علي مقالته، ولكما علي أن أدقق الحكم بينكما، وأن أرد ما مع كل واحد من باطل؛ وأثبت ما معه من الحق.
فقال القدري: أنا أقول: إن الله حكم عدل، لا يظلم من عباده أحدا ومن مقتضى إثباتي لهذا الأصل؛ أني أنزه ربي عن أن تكون الفواحش الواقعة من العباد واقعة بمشيئة الله؛ بل العبد هو الذي تجرأ عليها، وهو الذي فعلها استقلالا.
وأدلتي على هذا: جميع النصوص الدالة على أن الله ليس بظلام للعباد مثقال ذرة، وأنه حكم عدل؛ لأن تعلق مشيئته بأفعالهم.
ثم تعذيبهم عليها؛ ظلم من جهتين:
_________________
(١) ١ راجع في الرد على القدرية شفاء العليل ص (٢/٥-٦٢) الباب العشرون: في مناظرة بين قدري وسني
[ ٩٢ ]
١- من جهة إضافتها إلى مشيئته.
٢- وظلم من جهة كيف يعذبهم على أمر هو الذي شاءه وقدره؟!
ثم إني لو قلت: إنها واقعة تحت مشيئة الله؛ لأبطلت بذلك أمر الله ونهيه. بل في ذلك إبطال للشرع، فأنا ما رأيت السلامة من هذا المحذور المحظور، إلا بهذه الطريقة العادلة التي يرتضيها كل عاقل ميزه الله.
فقال الجبري: أنا أقول: إن الله على كل شيء قدير، وإنه خالق كل شيء، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
قضايا، لا يمكن مسلم أن ينكرها، ولا ينازع فيها.
وهذا عموم لا يخرج عنه حادثة، ومن أعظم الحوادث أفعال العباد من طاعات، ومعاصي وغيرها.
فلو أنها خارجة عن قدرة الله ومشيئته، لم يكن الله قديرا على كل شيء ولا خالقا لكل شيء.
ومقضي ذلك: أن العباد مجبورون على أفعالهم، غير مختارين لها لأنهم لو اختاروها وفعلوها حقيقة؛ لخرجت عن مشيئة الله وقدرته.
فتعين القول بالجبر، وأنهم مجبورون مقسورون على أفعالهم، وقد نفذت فيهم مشيئة الله، وصرفتهم الإرادة.
وأدلتي على قولي هذا: جميع النصوص المثبتة لعموم خلق الله ومشيئته وقدرته؛ وأني لو قلت: إن العبد فاعل حقيقة لفعله؛ لأخرجت هذا
[ ٩٣ ]
القسم عن مشيئة الله وقدرنه.
فقال الحاكم السني: لقد وضح كل واحد منكما مذهبه توضيحا كاملا، واستدل كل واحد بأدلة لا يمكن المنازعة فيها؛ لكثرتها ووضوحها. ولكن كل واحد منكما لم ينظر المسألة من جميع نواحيها بل لحظ جانبا، وعمي عن الجانب الآخر. وكثير من الأغلاط يأتي من هذا السبب. وسأحكم بينكما بحكم يستند على الكتاب والسنة ويستند إلى العقل والفطرة. وسأقنع كل واحد منكما إن كان قصده طلب الحقيقة.
أما أنت أيها القدري؛ فأصبت بقولك: إن أفعال العباد كلها من كسبهم، وكلها من فعلهم، طاعاتها ومعاصيها وغيرها من أفعالهم.
وأصبت في استدلالك عليها؛ بأن الله نسبها وأضافها إليهم.
وأصبت في تبريك من قول يلزم منه إسقاط الأمر والنهي؛ وهو: الجبر.
ولكنك أخطأت خطأ كبيرا، حيث زعمت أن مشيئة الله وقدرته لا تعلق لها بأفعال العباد.
فنفيت عموم النصوص الدالة على هذا الأصل؛ وظننت أن إثبات عموم الخلق والمشيئة لله ينافي كون الأفعال الصادرة من العباد تكون باختيارهم ومن كسبهم.
وهذا الظن غلط محض.
[ ٩٤ ]
بل المؤمن العارف يجمع بين الأمرين: يثبت لله تعالى أنه خالق كل شيء؛ من الأعيان والأوصاف والأفعال.
وأنه مع ذلك الأفعال صادرة منهم حقيقة.
وأما أنت أيها الجبري؛ فلقد أصبت بإثباتك: أن الله على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء وأنه ما شاء كان ووجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن، وأصبت في هذا الاستدلال.
ولكنك أخطأت خطأ كبيرا، حيث زعمت أن من لوازم إثبات عموم مشيئة الله؛ أن العبد مجبور على أفعاله؛ لم تقع بمشيئته، وظننت أن إثبات عموم القدر يقتضي منك أن تقول هذا القول.
ثم قال السني أيضا لهما: لقد قال كل منكما قولا ممزوجا حقه بباطله؛ وسأحكم بينكما بحكم، يتضمن إثبات ما مع كل منكما من الحق؛ وإبطال ما مع كل منكما من باطل.
وقد دل على هذا الحكم عدة نصوص:
منها قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨، ٢٩] .
فهذه الآية الكريمة حكمت بينكما؛ فإن الله أثبت للعبد مشيئة بها يفعل ويسلك الصراط المستقيم، أو يدعه باختياره ومشيئته.
وأخبر أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، غير خارجة عنها.
[ ٩٥ ]
فمشيئة الله عامة، لا يخرج عنها شيء ومع ذلك فالعباد هم الذين يعملون ويطيعون ويعصون.
ومع أن هذا هو الذي دلت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة فهو الذي يدل عليه العقل والواقع والحس.
فإن الله خلق العبد، وخلق ما فيه من جميع الأوصاف والقوى.
ألستما تعترفان بذلك، وكل عاقل يعترف به؟!
قالا: بلى.
قال السني: فإن من جملة أوصاف العبد التي خلقها الله فيه انه أعطاه قدرة ومشيئة يتمكن بهما من كل ما يريده من خير وشر، وطاعة ومعصية وبهما تقع طاعاته ومعاصيه.
وتعلمان: أن العبد متى أراد أمرا من الأمور التي يقدر عليها، فعله بتلك القدرة والإرادة اللتين خلقهما الله فيه.
فإذا أوقع العبد بهما فعلا من أفعاله، دخلت تحت عموم قدر الله؛ لأن خالق السبب التام الذي هو قدرة العبد وإرادته خالق للمسبب.
يعني: لما يصدر عنهما. وكل منكما يعترف أن الله خالق قدرة العبد ومشيئته كما خلق جميع قواه الظاهرة والباطنة.
فإذا اتفقتما على هذا القول؛ الذي هو الصواب بما عرف من دلالة النصوص الشرعية عليه، وأنه هو المعقول المحسوس عاد الأمر إلى الوفاق.
[ ٩٦ ]
فليتبرأ كل منكما من الباطل الذي معه، وليعترف بالحق الذي مع صاحبه.
ليتبرئ الجبري من اعتقاده: أن العبد مجبور مقهور على أفعاله.
وليعترف: أنها واقعة بكسبه وفعله حقيقة.
وليتبرئ القدري من اعتقاده: أن أفعاله غير داخلة تحت مشيئة الله وغير شامل لها خلق الله وقدره.
وليعترف: بعموم خلق الله، وشمول قدره.
والحمد لله الذي بين الصواب، ووفق من شاء من عباده لاتباعه.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
[ ٩٧ ]